صفقة شراء " واتس أب" من قبل المجموعة المالكة للفيسبوك، بمبلغ وصل الى تسعة عشر مليار دولار، تدعو إلى التأمل والتفكير لكل من يمتلك عقلاً منفتحاً، ومن يراقب بهدوء ودون صخب، بل وحتى دون دافع براغماتي، له علاقة بالتوظيفات السياسية المعتادة والمعروفة في بلادنا، وحتى بشكل عام، كذلك إعلان تقرير "الفوربس" السنوي عن اعتلاء بيل غيتس، صاحب ميكروسوفت، قمة أغنى أغنياء العالم، يشير بكل وضوح إلى أن عالم اليوم قد تغير كثيراً عن عالم الأمس، وان التغيرات التي يشهدها العالم، في مراكز القوة الكونية، إنما هي في حالة من التسارع الضوئي، لم يعد معه ممكناً، الارتخاء والاستمرار في رفع الشعارات الخادعة، التي تتوافق مع ما هو قائم من جهل عام، ما زال يظن معه جل العرب ومعظم المسلمين أنهم يعيشون في هذا الكون وحدهم !
أن تدفع الفيسبوك لشاب كان قد تقدم لها بطلب وظيفة قبل بضعة أعوام فقط، مبلغاً يتجاوز ميزانية دولة شرق أوسطية، لا بد أن يعني الكثير، كذلك لا بد من التأمل بهدوء وبشيء من العمق فيما تقدمه شبكات التواصل الاجتماعي، وكذلك تقنيات الاتصال الحديثة من خدمات وما تحققه من ثروة، بات تحققها والحصول عليها خارج دوائر الرقابة والمتابعة، بما يعني ان أجهزة الدولة القائمة باتت عاجزة وغير قادرة على التحكم تماماً في تطورات الأمور وفيما يحدث من اتصال وتواصل بين البشر، ولا بد من الانتباه إلى أن شبكات وبرامج الاتصال والتواصل تقدم خدمات كثيرة للعديد من المؤسسات والدول، وليس فقط للأفراد، ولا يظن أحد أن هناك شيئاً يقدم مجاناً، بما في ذلك فتح صفحة الفيسبوك او الحصول على البريد الإلكتروني، وحتى جوائز مفتاح علي بابا، وبرامج المسابقات الفنية إنما تجمع أموالاً طائلة، من خلال الرسائل القصيرة، ومن خلال الإعلانات.
يكاد العالم بأسره أن يكون قد تفاعل مع ما بعد الحرب الباردة، ودخل او تجاوب مع متطلبات العولمة، إلا معظم العرب وأغلب المسلمين، ولا يغرنك ما تراه من استخدام للتكنولوجيا الحديثة، ولا ما تستهلكه دبي او الدوحة من أجهزة جالاكسي ولا من الاستخدام الفوري للبرامج المنتجة حديثاً، واتس أب، أو سكاي بي أو ما إلى ذلك، المهم أن بلادنا ما زالت خارج دائرة الإنتاج بكل أشكاله ومستوياته، ويزيد اعتمادها يوما بعد يوم على الخارج، ليس فقط في استخدام وسائل الاتصال والتنقل والأجهزة الإلكترونية والكهربائية الحديثة وحسب، ولكن فيما يخص ما تأكل وتلبس، ويكفي أن نشير إلى أنه حتى " المسبحة " التي يضعها العربي / المسلم في يده ليسبّح بها، لا تتم صناعتها على بساطتها في دولة عربية، وان منتوجات الصين وتايوان، كوريا واليابان باتت جنباً الى جنب مع العمال الآسيوين والخادمات الآسيويات في كل بيت عربي وفي كل شارع وحارة، بلدة او قرية أو مدينة.
لم يعد يكفي الحديث إذن عن أن الغرب يسبقنا بالتقدم الحضاري، من حيث ان للأمر مبرراته التاريخية، حيث نهضت أوروبا ومن ثم أميركا، حين غفا العرب، وعاشوا في سبات عميق أربعة قرون، إبان الاستعمار العثماني / التركي، ولكن ها هي شرق آسيا، التي لا توجد فيها _ بالمناسبة _ ثروات طبيعية، مثل النفط او الغاز، كذلك دول أميركا اللاتينية، تتقدم في الحقل الاقتصادي، الذي بات هو ميدان التنافس الحقيقي بين الدول والشعوب، وهو ميدان العولمة في الوقت ذاته الذي يوحد العالم، حيث لا قومية للثروة !
حفاظ أميركا على نفوذها وقوتها العالمية بعد الحرب الباردة، تحقق من خلال إنتاج البرمجيات، كذلك قوة الصين لا تعود لما لديها من قوة عسكرية، ولا حتى روسيا تستعيد الآن نفوذها وقوتها ارتباطاً بكونها ثاني قوة نووية في العالم، بل بسبب ما لديها من نفط وغاز، وإذا كانت قوة قطر، ثاني بلد مصدر للغاز في العالم، أبعد شأناً من قوة مصر أو أوكرانيا التي تمتلك نحو أربعة آلاف رأس نووي ( ثاني قوة نووية بعد روسيا في دول الاتحاد السوفياتي السابق )، يتبين لنا بكل وضوح، أن عالم اليوم قد تغير، وبشكل جذري والى حدود بعيدة، يبدو ان قوى عديدة حالمة، ما زالت تعيش على وهم الهروب من استحقاقات الحاضر والمستقبل بالدعوة الى الانغلاق على الذات والعودة الى الماضي.
قلنا كل هذا بمناسبة أن حركة سياسية ما زالت مؤثرة في الواقع الفلسطيني، وكلما "حك الكوز بالجرة " تقول المقاومة، وتقصد إنتاج الصواريخ، والتدريب القتالي، وإقامة المعسكرات للنشء وما إلى ذلك، وحيث إنها جربت الحكم، فقد أدركت أن قوة الاقتصاد، إنما هي القوة الحقيقية، لذا راهنت كثيرا على "اقتصاد الأنفاق"، وحاولت أن تمزج بين شعارات "المقاومة وإدارة الحكم"، وحيث إن هناك من يظن بأن عصر "فتح" قد انتهى وأن مرحلة "حماس" قد ولت، فانه يذهب بعيداً في الاعتقاد بأنه يمكن أن يسير تنظيم آخر في الطريق ذاته، الذي سارت عليه تلك التنظيمات في عصر مضى.
بدلاً من الانخراط خلال نحو عشر سنوات ( من سنة 2005 وحتى الآن ) في تنمية قطاع غزة وتأهيله ليكون رافعة الكيانية الفلسطينية، من خلال التنمية، فإن ضيق الأفق قد قاد الى العكس تماماً وإلى أن يتحول القطاع الى عبء حقيقي على مشروع الكيانية الفلسطينية، فهو يتلقى المساعدات فقط، ولم تنجح " مقدراته العسكرية " التي لا تملكها قوات السلطة في الضفة الغربية، في زحزحة الحصار قيد أنملة، ولا في توفير رغيف خبز لجائع ولا وظيفة لعاطل عن العمل. ذلك لا يعني بالقطع التخلي عن المقاومة، ولكن ولنا في الانتفاضة الأولى قدوة حسنة، المقاومة المناسبة إنما هي الانتفاضة الشعبية، وفي الضفة الغربية والقدس حيث الاحتلال، أما في غزة، فلا بديل عن التنمية وعن وضع الحد الفوري لنظام حكم الانفصال، وإعادة توحيد الوطن.
Rajab22@hotmail.com


