خبر : قراءة في دليل كيري للمفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ...ماجد عزام

الثلاثاء 04 مارس 2014 05:56 م / بتوقيت القدس +2GMT
قراءة في دليل كيري للمفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ...ماجد عزام




وصف وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أثناء زيارته الأخيرة للمنطقة في كانون ثاني الماضي اتفاق الإطار الذي يعمل عليه بأنه سيكون بمثابة دليل للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الهادفة إلى التوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين الجانبين، هو استغل المناسبة عينها للتأكيد على أنه يعمل مع الرئيس باراك أوباما من أجل أن يأتي الاتفاق عادل ومتوازن كونه يمثل ضرورة حيوية ومهمة للمصالح الأمريكية، كما للاستقرار في المنطقة.
أعتقد أن من الصعوبة بمكان التشكيك في حسن نوايا كيري أخلاقياً أو سياسياً، وجديته في السعي نحو اتفاق سلام نهائي بين الفلسطينيين وإسرائيل، إلا أن المشكلة تكمن في مقاربته المنهجية الساذجة والسطحية للملف، كما في الاقتراحات والحلول التي يعرضها لجسر الهوة بين الجانبين والتي لا تتناقض فقط مع الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وإنما أيضاً مع مبادىء العدل والتوازن التي يطمح لتجسيدها في الاتفاق العتيد.
منهجياً، يبدو وزير الخارجية الأمريكي مستلباً لفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة كعنوان للحل النهائي للصراع بغض النظر عن طبيعة ومضمون هذه الدولة حتى لو كانت بدون عاصمة بدون حدود بدون سلطات وسيادة فعلية – كما قال السيد ياسر عبد ربه للحياة الشهر الماضي - ويبدو السيد كيري هنا وكأنه منحازاً إلى الشكل على حساب المضمون، المضمون و الجسد على حساب الروح.
لا بد من الانتباه إلى حقيقة أن جون كيري يكرر في الملف الفلسطيني نفس الخطأ المنهجي الذي اقترفه في الملفين السورى والإيراني. ففي الملف الأول كان اهتمام وزير الخارجية الأمريكي منصباً على التوصل لاتفاق يكفل تجريد نظام الأسد من ترسانتها الكيميائية دون الاهتمام بالأبعاد الأخرى له، والتي أضفت شرعية على نظام ارتكب وما زال يرتكب، وبشكل منهجي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق شعبه، ودون الاكتراث لتداعياته السياسية والميدانية وتأثيره السلبي على موازين القوى بين النظام والمعارضه لصالح الأول طبعاً.
في الملف الإيرانى تبنى الوزير الأمريكي نفس المقاربة المنهجية الخاطئة، حيث الاستلاب أو التركيز على فكرة تفكيك المشروع، وبالأحرى البعد العسكري للمشروع النووي الإيراني دون إبداء الاهتمام الكافي بزيادة قوة النظام السياسية والاقتصادية بعد رفع العقوبات عنه ولو بشكل تدريجى ودون الاكتراث لسياساته الكارثية والتدميرية في المنطقة، ليس فقط في سورية، وإنما في العراق لبنان واليمن، ودون التحسب لإمكانية استغلال الاتفاق سياسياً وإعلامياً وأمنياً من أجل المضي قدماً في نفس النهج الدموي السابق الذي لا يبدو أن حسن روحاني قادراً على تغييره أو التأثير الجدي عليه أقله في المرحلة الراهنة.
إذن وبالعودة إلى الملف الفلسطيني ودليل كيري للمفاوضات، فمن الواضح أن الخطأ لا يقتصر على المقاربة المنهجية الخاطئة، وإنما أيضاً على المقاربات التكتيكية والاقتراحات التى يعتمدها وزير الخارجية الأمريكية لجسر الهوة والتقريب بين المواقف المتباعدة للطرفين الفلسطينية والإسرائيلي.
بناء عليه، انطلق جون كيري من الصفر متجاهلاً معظم ما جرى منذ انطلاق عملية التسوية قبل عقدين من الزمن، وتم التنكر خاصة للتنازلات التي قدمتها السلطة الفلسطينية أن فيما يتعلق بالاعتراف بإسرائيل - دون اعتراف مقابل بالدولة الفلسطينية - أو بالقبول بإقامة دولة ضمن حدود حزيران يونيو 67 أي على 22 بالمائة من أراضي فلسطين التاريخية والتخلي، بالتالي عن 78 منها للدولة العبرية.
معتبراً التنازلات السابقة بمثابة تحصيل حاصل انطلق جون كيري إلى مساومات جديدة تنطلق من الواقع وبالأحرى الوقائع الحالية التي فرضتها إسرائيل على الأرض بقوة السلاح والاحتلال، وهكذا يجري الحديث عن تبادل أراضي وبقاء ليس فقط الكتل الاستيطانية الكبرى التي تضخمت وتوسعت، وإنما حتى 80 بالمائة من المستوطنيهم في مستوطناتهم غير الشرعية، والتي تمثل جريمة حرب حسب فتوى محكمة العدل العليا ويجرى الحديث أيضاً عن عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية، وبالنسبة للسيد كيري يبدو الهدف أن تكون الدولة على مساحة مساوية تماماً لتلك التي احتلت عام 67، حتى لو احتفظت إسرائيل بالسيطرة على المناطق الاستراتيجية والتاريخية ومنابع المياه، ومصادر الثروة الطبيعية وحتى لو كانت الدولة غير قادرة على البقاء وخاضعة تماماً للهيمنة الإسرائيلية في أبعادها السياسية الاقتصادية والأمنية.
في موضوع الأمن، وإن بدا السيد كيري عادلاً متوازناً وموضوعياً، إلا أن هذا جاء من حيث الشكل فقط، وفي المضمون بدا منحازاً أكثر لوجهة النظر الإسرائيلية، ليس فقط فيما يتعلق ببقاء القوات الإسرائيلية في غور الأردن لسنوات طويلة، وإنما في السيطرة على أو مراقبة المعابر والأجواء الفلسطينية، كما موجات البثّ الكهرومغناطيسي في سماء الدولة العتيدة. وعموماً لم ينتبه وزير الخارجية الأمريكية جيداً إلى حاجة الفلسطينين، أيضاً للأمن وأعتقد أن الصفقة أو المعادلة الحاصلة الآن هي الدولة للفلسطينيين مقابل الأمن للإسرائيليين، وهي المعادلة المتماهية مع حديث نتن ياهو واليمين الإسرائيلي عن الأرض مقابل الأمن، وليس الأرض مقابل السلام العادل والشامل، كما جرى التوافق في مؤتمر مدريد التأسيسي منذ أكثر من عشرين عاماً.
إلى ذلك وقع كيري في الفخ الإسرائيلي الذى نصبه نتن ياهو عبر تمسكه بشرط اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية، وهذا الشرط هدف إلى عرقلة وإفشال المفاوضات أو في الحد الأدنى إفراغها من محتواها، خاصة في ملفي اللاجئين والقدس تقبله كيري بصدر رحب وكأمر مفروغ منه وبغض النظر عن تناقضاته الصارخة مع المواثيق والشرعية الدولية وصولاً إلى ابتداع التخريجات لقبوله فلسطينياً ولو بشكل غير مباشر عبر الجامعة العربية، كما قال السيد عزام الأحمد لتلفزيون فلسطين الأحد 23 من فبراير الحالي. وقبل ذلك بعده مارس كيري مقارباته المنهجية والتكتيكية وفقاً لمبدأ رئيسه أوباما القاضي باللانسحاب من المنطقة والحفاظ على أدنى قدر من الانخراط في أزماتها ومشاكلها والجبن عن استخدام القوة بأي حال من الأحوال، خاصة في مواجهة الطرف القوى والباغي وطبيعي إن ما لم يفعله في مواجهة الخصوم أو من يفترض أنهم كذلك لن يقدم عليه في مواجهة الحلفاء أو بالأحرى الحليف الرئيس في المنطقة والاستعاضة بنصح وتحذير تل أبيب من مغبة عدم التوصل إلى حل نهائي للصراع في فلسطين وفق الظروف الحالية التي تكاد تعتبر مثالية للدولة العبرية، وهي اللغة التي لا يستوعبها نتن ياهو ورفاقه كونهم توصلوا إلى استنتاج مضاد مفاده أن لا شيء يجبرهم على تقديم تنازلات للفلسطينيين، وأنهم قادرين على تحمل ثمن إدارة الصراع باعتبار أن كلفة إدارته أقل بكثير من كلفة حله.
رغم نواياه الطيبة إلا أن المقاربات المنهجية والخاطئة لجون كيري ستحول بالتأكيد دون نجاحه في التوصل إلى اتفاق سلام نهائي عادل ومتوازن، وحتى إذا حصل فإن هذا لن يكون سوى اتفاق هش غير قابل للحياة أو الصمود على المدى الطويل.
باحث فلسطيني