سبعة عقود تفصلنا عن مؤتمر "يالطا" عام 1945 إثر هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية، نتج عن هذا المؤتمر الذي شارك فيه رؤساء الدول المنتصرة، زعيم الاتحاد السوفياتي ستالين، والرئيس الأميركي روزفلت، بينما ترأس الوفد البريطاني رئيس حكومتها تشرشل، كان هدف المؤتمر كيفية تقسيم ألمانيا المهزومة بين الدول المنتصرة، وهكذا كان، تم تقسيم ألمانيا إلى شرقية "ألمانيا الديمقراطية" وغربية "ألمانيا الفدرالية"، كما تم تقسيم العاصمة برلين، أيضاً، إلى شرقية وغربية، ظلت الشرقية عاصمة لألمانيا الديمقراطية، بينما عمدت ألمانيا الاتحادية إلى اتخاذ "بون" عاصمة لها.
أما المدينة الحالمة "يالطا" التي تعتبر من أجمل المدن السياحية في العالم، فهي تقع جنوب اوكرانيا، وتحديداً في شبه جزيرة القرم، التي باتت تتردد على نشرات الأخبار على مستوى العالم بعد الأحداث الأخيرة بين "الشرق والغرب" قبل سبعين عاماً، من شبه جزيرة القرم توافق المنتصرون على تقسيم الدولة المهزومة، ويبدو أن الأمر يتكرر الآن، ولكن من دون أي مؤتمر كالذي عقد في يالطا، ذلك أن احتمالات تقسيم اوكرانيا، باتت أكثر ترجيحاً إذا ما استمر التوتر بين "الشرق والغرب" على خلفية الأحداث الأخيرة التي أمكن إطلاق "ربيع الميدان" كاستنساخ للربيع العربي بصورة أو بأخرى، وتجديداً للثورة البرتقالية في اوكرانيا والتي امتدت من تشرين الثاني 2004 حتى كانون الأول 2005، وتشكل الانقسام ذو الطبيعة المصلحية بين الروس والاوكرانيين، من خلال الزعامات المحلية، والانقسامات المذهبية، إذ ان الروس يشكلون نصف سكان شبه جزيرة القرم، وهم من الأرثوذكس، بينما الاوكرانيون في شبه الجزيرة يعدون ثلاثين بالمئة، في حين أن المتبقين هم من أصول تترية مسلمة، أما الاوكرانيون في شبه الجزيرة فهم في معظمهم من الكاثوليك.
ويحلو للبعض تشبيه ما حدث في "ربيع الميدان" في اوكرانيا بالربيع العربي الذي طال عدة دول عربية، ومع أن هناك تشابهاً لا يمكن إنكاره، إلاّ أن هناك الكثير مما يتجاهله هؤلاء المولعون بالمقارنة، خاصة فيما يتعلق برهانات روسيا ورئيسها بوتين، فقد راهن هذا الأخير على أن بشار الأسد، سيعمد حتى النهاية رغم الثورة ووقوف العالم الغربي ودول عربية معها ضده، وكان هذا الرهان ناجحاً ـ حتى الآن على الأقل ـ بكل المقاييس، بينما رهانها على فيكتور يانوكيفتش، أظهر رهاناً خاسراً بكل المقاييس، فهذا الرجل عندما أحسّ بالخسارة، لم يقاوم ولا دقيقة واحدة، وفر هارباً مع أنه كان يمتلك اتفاقاً موقعاً وبصلاحيات كاملة، لم يفعل كما فعل حسني مبارك، الذي عندما تأكد من الخسارة، تخلى "بإرادته" أمام شاشات التلفزيون عن الحكم، وظل في بلاده، لا أحد يسمع الآن عن يانوكيفيتش ولا أحد يعلم أين هو الآن، معلناً بذلك خسارة رهان روسيا ورئيسها بوتين على رجل ما كان إلاّ عنواناً للخسارة، ذلك أن سيرة حياته لا يمكن لها أن تسمح لأحد بالرهان عليه، يقال إنه أحد أشهر خريجي سجون الاتحاد السوفياتي بجريمتي شروع في قتل وسطو مسلح عندما كان شاباً، ثم أصبح عامل تعدين بينما حاز على عضوية الحزب الشيوعي، لكنه كان أحد المستفيدين مالياً من سقوط الاتحاد السوفياتي، وأفاد من تفكّكه وأصبح أحد أثرياء انهيار السوفيات!!، مما سمح له بأن يعمل في السياسة مستفيداً من الانقسام السياسي والإثني ـ القومي والطائفي في اوكرانيا.
اختفى هذا الرجل بسرعة مذهلة، حتى أن ثوار الميدان لم يصدقوا ما حدث، خاصة وأن الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي لوضع حد للأحداث، أشار إلى انتخابات مبكرة، وكان يمكن ببساطة، انتظار نتائج هذه الانتخابات قبل أن يختفي كأي لص مطارد من قبل المواطنين والشرطة، كان اختفاءً مذهلاً ورهاناً روسياً خاسراً، حتى أن الاتحاد الروسي الذي لا يعترف "بالانقلاب" عليه، لم يعد يشير إلى أن يانوكيفتش هو الرئيس الشرعي لاوكرانيا.
وبينما أكتب هذا المقال، أُعلن في موسكو أن مجلس الاتحاد الروسي يجتمع بشكل طارئ للنظر في طلب بوتين السماح باستخدام الجيش في اوكرانيا، في هذا السياق لا أعتقد أن روسيا ستتدخل عسكرياً بشكل سافر في اوكرانيا، وهي ستكتفي بإشعال التوترات في شبه جزيرة القرم والضغط الاقتصادي من خلال شحنات الغاز والديون على نظام الحكم الجديد في "كييف" ناهيك أن قواتها موجودة أصلاً في شبه جزيرة القرم من خلال قاعدتها البحرية الضخمة في ميناء اوديسا، غير أن التهديد بالقوات المسلحة الروسية له أكثر من هدف، فإضافة إلى زيادة التوتر، فإن روسيا تهدف إلى أن تشير إلى أن ما حدث في اوكرانيا، لا يمكن أن يمتد إلى الاتحاد الروسي نفسه، إذ يمكن لقوى معارضة أن تتخذ مما جرى في اوكرانيا، ناقوساً لبدء احتجاجات داخل الاتحاد الروسي ذاته، كما أن بوتين يريد أن يطمئن الحلفاء، أينما كانوا، أنه لن يتردد في التدخل عسكرياً عندما تكون هناك حاجة لذلك.
ومع أن الروس يشكلون نصف عدد سكان شبه جزيرة القرم، فإن اللاعب الذي لا يمكن التهاون بشأنه إزاء ما يمكن أن يحدث في المستقبل، يتعلق بقومية التتر الذين يشكلون عشرين بالمئة من سكان شبه الجزيرة، والحاقدين على الروس منذ الاتحاد السوفياتي، والمدافعين بكل قوة عن النظام الجديد في "كييف" دون تجاهل أنها قومية مسلمة، الأمر الذي قد يستنسخ تجربة الاتحاد الروسي مع "الشيشان"، لكن ذلك كله رهن بكيفية سير الأمور في المستقبل، ولا يمكن ونحن في بدايات أزمة من هذا النوع، التعرف على النهايات!!
hanihabib1954@gmail.com


