لا بشرى بالمطلق، ولا دخان أبيض متصاعداً ينتظره كثير من المراقبين لمفاوضات تدور حول النقطة نفسها، دون أن يحدث فيها أي تقدم.
اللقاء الأخير في باريس أكد الموقف الثابت للرئيس الفلسطيني وللمفاوض الفلسطيني، لأن الثوابت الفلسطينية هي القاعدة وليست الاستثناء، فلا يستطيع الرئيس أو أي فلسطيني مهما كانت صفته الاعتبارية الابتعاد عن هذه الثوابت.
وعلى الرغم من الضغوط الهائلة التي أشار إليها الرئيس كثيراً، والتي تأخذ أشكالاً مختلفة ولم تتوقف في أي لحظة خلال الأشهر الماضية، فإنه يجب أن نرفع القبّعة احتراماً لدائرة المفاوضين الفلسطينيين؛ لقدرتها الخلاّقة في هذا المجال، وإن حاول البعض جهلاً أو غباءً أو من باب عدم المعرفة أو التصيُّد قلب الحقائق.
فلسطينياً يتم قلب الحقائق بطرق مختلفة، فحركة حماس التي ترفض مجرد كلمة مفاوضات، تبعث في المقابل الرسائل وتقدم تنازلات ستودي بالقضية الفلسطينية.. دون أن نسمع من أصحاب الأفواه الكبيرة ردوداً على تهافتها.. ولعلّ تصريح أحد مسؤوليها، يوم أمس، لوكالة الأنباء الفرنسية، والذي برر فيه منع حركته المشاركين في المسيرات من الوصول إلى مناطق السياج شرق غزة، لأكبر دليل على هذا التهافت، فقد قال: "إن انتشار عناصر القسام المكثف ومنع المتظاهرين هو للحفاظ على أرواحهم".. متناسياً أن سعي السلطة للحفاظ على أرواح المواطنين كان يعتبر خيانة وتعاوناً مع "أزلام دايتون".
في الإطار نفسه، وضمن احتفالات "الرفاق" في الجبهة الديمقراطية بذكرى انطلاقتها، دعا أحد قادتهم خلال احتفالين في رفح وشمال غزة "إلى استنهاض الحالة الفلسطينية في وجه الاحتلال والتفرّد الأميركي وتنازلات المفاوض الفلسطيني"! فعن أي تنازلات أيها "الرفيق" تتحدث؟.. إذا لم تكن تعلم عنها شيئاً فقلها ولا تخف، فأنتم شركاء في منظمة التحرير التي ترعى المفاوضات.. وأنتم على اطلاع كامل على فحواها.. فكفى استخفافاً بعقول الناس.
إذن لا تقدم في هذه المفاوضات، والأمل أصبح أكثر من ضعيف في أن تحرز نتائج إيجابية.. وستنتهي الفترة المقررة لها.. وستحاول قوى كثيرة تحميل الفلسطينيين المسؤولية أو جزءاً منها.. وسنتعرض لمزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية وربما ستصل الأمور إلى أساسات السلطة من أجل إضعافها، لعلّ ذلك يساعد في تحقيق بعض ما يأمل به الطرف الآخر.
اليوم الأول بعد فشل المفاوضات يعني فلسطينياً التوجه إلى مواجهة من نوع آخر، هي أصعب مما يتوقع البعض.. وهي المواجهة الدبلوماسية، والمواجهة الأممية من خلال حراك فلسطيني متصاعد للوصول إلى المؤسسات الدولية وهي بالعشرات.. وهذا يعني معركة سياسية صعبة وخطيرة، فماذا أعددنا لهذه المعركة؟
إن أول ما يجب التخلّي عنه هو سلاح المزايدة الذي تستخدمه قوى لا نريد التشكيك في قوة تمثيلها الحقيقي على الأرض سواء أكانت يسارية أم يمينية أم غير ذلك.. ولكن يجب عليها أن تعي أن مواقفها السابقة وتحليلاتها السياسية الخاطئة وكيل الاتهامات جزافاً لا تعني إلاّ مزيداً من إضعاف السلطة الوطنية ومواقفها الثابتة التي لا تتنازل أو تتراجع عن الخطوط الحمر.
ولا بد أيضاً من الابتعاد عن إطلاق المصطلحات المنفلتة من خلال خطابات توحي بأننا قوة عظمى قادرة على فعل المعجزات.. فعلى العكس قوتنا تكمن في الأساس في عدم المبالغة، وفي صمودنا بقوة الحق التي نتمتع بها، ووحدة التراب الذي لا نقبل بديلاً عنه.. المعركة المقبلة تحتاج إلى الصمود بمعناه الحقيقي.. صمود في وجه ضغوط مالية واقتصادية. في وجه ضغوط احتلالية.. في وجه استفزازات داخلية وإقليمية ودولية.
اليوم الأول بعد فشل المفاوضات يعني أن إطلاق الشعارات الكبيرة غير الواقعية التي قد ترضي غرور البعض وتشبعهم إعلامياً يجب ألا يكون لها محل من الإعراب، وأن الإجماع على الثوابت بمفهومها البسيط هو الأساس... وهذا ينسحب على الانقسام، فهل يقبل الانقساميون الانخراط الحقيقي في المسار المقبل؟
اليوم الأول يحتاج منذ اليوم لصياغة وطنية جامعة وحقيقية لمفردات قوتنا غير المبالغ فيها، وإلى استقطاب عربي دولي مؤيد لنا في سبيل النجاح في مسيرة ستكون بين غابات كثيفة من الألغام المتعددة والضغوط الجماعية.. من الأقارب قبل الغرباء!.
abnajjarquds@gmail.com


