خبر : هامِشيون أم مُهَمشون؟ ...بقلم: محمد ياغي

الجمعة 28 فبراير 2014 09:17 ص / بتوقيت القدس +2GMT



هل نبالغ إذا قلنا بأن الغالبية العظمى من سكان العالم العربي تعيش على هامش ما يجري فيه؟ هي ليست صاحبة قرار سياسي أو اقتصادي ولا تمتلك شيئاً من مصيرها. في المقابل هل نبالغ إذا قلنا أيضاً بأن هذه الشعوب "المهمشة" قد فاض بها الكيل وأن كل ما يجري اليوم هو صراع "المُهَمشين" على حقهم في تقرير القليل مما يخصهم.


لا شك بأن كلمة "تهميش" فضفاضة الى حد ما. هي للبعض تعني الفقراء الذين لا يحتملون تكاليف حياة الطبقة المتوسطة، وللبعض الآخر هي مرادف لكلمة "الإقصاء"، ولطرف ثالث قد تعني "الابتعاد عن المركز" حيث القوة والثروة. لكن الكلمة في عالمنا العربي هي كل ذلك لأن السلطة الحاكمة لا تمارس التهميش ضد الفقراء فقط ولكن حتى الطبقة المتوسطة مُقصاة من الحياة السياسة. أضف لذلك بأن بنية النظام العربي الرسمي تجعل المركز ليس المدينة أو العاصمة السياسية ولكن "القصر الرئاسي أو الملكي" وأصحاب النفوذ فيهما. في هذه الحالة لا يكون التهميش فقط للساكنين بعيداً عن "العاصمة-المركز" ولكن حتى لسكان المركز أنفسهم. فئة قليلة في المركز لها القدرة على الوصول الى دوائر صنع القرار والتأثير فيه والاستفادة منه. لذلك عند الحديث عن التهميش في العالم العربي، فإن كلمة "الهامشيون" تكتسب جميع المعاني وهي لذلك من الكلمات القادرة على تفسير كل شيء ولأنها كذلك فإن البعض يعتقد بأنها لا تصلح للاستخدام "كوحدة للتحليل" السياسي والاجتماعي.
لم تكن كلمة "تهميش" تحمل جميع هذه المعاني تاريخياً.

الأصل الإنجليزي للكلمة (Marginality) استخدم لأول مرة، باعتقاد عاصف بيات، أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة إلينوي، من قبل "روبرت بارك" في أبحاثة عن الهجرة من الريف الى المدينة. بارك أطلق لقب "الرجل الهامشي" كمصطلح ثقافي على المهاجر الى المدينة فهو الرجل الذي يحتفظ بثقافته التي جاء بها ولا يندمج بثقافة المدينة وهو بالتالي يشكل مجتمعاً موازياً لمجتمع المدينة. لكن مصطلح "التهميش" تطور ليأخذ دلالات ثقافية سيئة بعد أن تم ربطه على يد المفكر "أوسكار لويس" بثقافة الفقر حيث قام بتحديد خصائص ثقافية للمهاجرين الى المدينة منها العدمية، إنعدام الطموح، الإجرام، فقدان الأمل وغيرها من الصفات التي حملت تجريماً للفقراء. لاحقاً سيكتسب المصطلح بعداً ثوريا على أيدي الماركسيين الذين تصدوا لمصطلح "التهميش " وكأنه خيار شخصي-إرادي وقالوا بأن التهميش ظاهرة مفروضة على "المهاجرين" الفقراء رغم محاولاتهم المستمرة للإندماج في مجتمع المدينة. بهذا المعنى هم ليسوا "هامشيين" ولكنهم "مُهَمشون" رغماً عن إرادتهم. هم يحاولون الاندماج لكن النظام السياسي الرأسمالي يدفعهم رغم عنهم الى الهامش.


في مصر يعيش أكثر من 12 مليون إنسان في العشوائيات بلا تمديدات صحية وبلا ربط آمن بالكهرباء وبلا مصدر نقي لمياه الشرب.. منهم تقريباً مليون إنسان يعيشون في مساكن غير آمنة مهدده بالسقوط على رؤوسهم. وفي تونس يعيش أكثر من 750 ألفاً في أحزمة فقر حول العاصمة في ظروف صحية شبيهة بتلك التي يعيشها سكان عشوائيات مصر.. ولا يخفى بالطبع على أحد حال ملايين اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الضفة وغزة أو مخيمات الشتات.. هؤلاء لم يختاروا أن يعيشوا على الهامش ولكنم مُهَمشون رغماً عن إرادتهم. وقطعاً لم يختار سكان بنغازي في ليبيا أن يكونوا أقل حظوة من أهل "سِرت"، ولم يختار السوريون أو العراقيون أن يكونوا رعايا في بلاد إغتصب الحكم والثروة فيهما بالقوة. ولم تختار الغالبية البحرانية "طائفتها" لتقصى من الحقوق السياسية.. بإختصار، الشعوب العربية هُمِشَتْ رغماً عنها والوضع الطبيعي أن تحاول أن تستعيد جزء من حقوقها الضائعة منذ عقود.


الثورات العربية هي ثورات "المُهَمشمين" سواء أكانوا فقراء بالإكراه أو طبقة متوسطة مقصاه عن المشاركة في الحياة السياسية والمُهَمشون بهذا المعنى لن يعودوا الى بيوتهم فارغي اليدين. البعض يلعن الثورات بسبب ما يجري في سورية أو ليبيا أو اليمن أو حتى مصر. لكن يحظر لوم الضحية على مطالبتها بحقوقها ولا يجب أيضاً الإعتقاد بأن خيارات الشعوب العربية هي بين أنظمة الإستبداد أو بين جماعات لا تختلف في سلوكها عن الانظمة التي تحاربها. المُهَمشون العرب لم يثوروا من أجل تنصيب جهة ما أو تنظيم ما في مكان الانظمة التي ثاروا عليها ولا يعنيهم كثيراً من يأتي بعد رحيل هذه الانظمة لكن ما يعنيهم أكثر هو إن كان النظام الجديد، أي نظام وأياً كانت الأيديولوجية التي يؤمن بها، سيحولهم الى "مواطنين" أم سيبقي عليهم في دائرة التهميش. لم يختر الشعب التونسي النهضة بعد ثورته لأنها لعبت دوراً خاصاً في الثورة. النهضة دورها كان محدوداً جداً مقارنة بدور الحزب الديمقراطي التقدمي او حزب العمال الشيوعي، لكن الناس إختارتها بحثاً عن العدالة التي تعتقد بأن النهضة تحملها بصفتها راعية للرسالة "السماوية".. لكن فشل النهضة في الإنحياز للمَهمشين جعل قطاعات واسعة من الناس تنفض عن تأيديها.. وفي مصر لم تختر الناس "الإخوان" لدورهم في الثورة ولكن أملاً في الحصول على عدالة اجتماعية وسياسية حرموا منها في عهد مبارك، وعندما اكتشفوا أن شيئاً ما لم يتغير ثاروا عليها.


بهذا المعنى لا يعني الفشل في دولة ما نهاية الثورة فيها وقد تكون نقطة انطلاقة جديدة لها. تذكروا بأن الثورات الكبرى في التاريخ لم تنتصر في جوله واحدة، وبعضها، مثل الثورة الفرنسية، احتاج لأربعة عقود قبل أن تصل الناس فيها الى غايتها. المسألة التي يجب إدراكها، أن المرحلة التي سبقت قيام محمد البوعزيزي بحرق نفسه في سيدي بوزيد في 17 ديسمبر 2010 لا يمكنها ان تعود وإن عادت لسبب ما فهي مؤقته، لأن الناس بعد إمتلاكها للشارع أدركت قوتها وضعف الانظمة التي "هَمشتها" وهي لذلك ستعود للشارع مجدداً الى ان تحقق ما تريد.