ألغى رئيس الكنسيت الإسرائيلي يولي أدلشتاين النقاش الذي كان مقرراً أن يجريه البرلمان الإسرائيلي "الكنسيت" بناء على اقتراح النائب الليكودي موشيه فيغلين، بشأن السيادة على الحرم القدسي الشريف، وذلك بعد يوم واحد من تصويت مجلس النواب الأردني على على مقترح لجنة فلسطين بالمجلس بالأغلبية لصالح قرار بطرد السفير الإسرائيلي من عمان، واستدعاء السفير الأردني في تل أبيب.
وفي الحقيقة فإن الأردن كان قد حذر إسرائيل من مغبة البحث في مثل هذا القرار، واصفاً الإجراء، الذي يأتي ضمن سياسة إسرائيلية واضحة ومتتابعة، بل وحتى متسارعة، منذ وقت، بالسعي الى التهويد التام لمدينة القدس بكل ما فيها من أماكن مقدسة للمسلمين والمسيحيين، واصفاً الإجراء الإسرائيلي بأنه "لعب بالنار" وحيث ان إسرائيل قد تجاهلت التحذير الأردني، كان لا بد من التحرك، جدياً، وإظهار "العين الحمراء" حتى يتم فرض التراجع على الإسرائيليين.
ورغم أن قرار مجلس النواب الأردني لا يلزم الحكومة، الا أن المجلس نفسه لم يتوقف عند حدود إصدار القرار بطرد السفير الإسرائيلي من عمان، بل سارع بإعداد قرار آخر، أشد وقعاً وأهمية، ويتمثل باقتراح مشروع قانون يلغي اتفاق وادي عربة الموقع بين حكومتي البلدين عام 1994، وفعلا سجل 47 نائباً أردنياً على مشروع القانون، بما يعني بأنه أذا واصلت إسرائيل فتح الحرب الدينية وتجاهل مصالح وحقوق الأردن الوطنية فإن الأردن لن يقف مكتوف الأيدي ولا متفرجاً، بل سيرد بإلغاء اتفاقية السلام، وكان هذا مطلباً سارعت إليه المعارضة الإسلامية، وكان يمكن ان يعني، ان اليوم الجمعة سيشهد تظاهرات، ربما يشارك فيها الجميع تندد بالخطوة الإسرائيلية، والتي بالتأكيد، كان سيتخللها رفع شعارات تطالب بإلغاء معاهدة وادي عربة، وليس فقط الاكتفاء بقطع العلاقة الدبلوماسية بين الدولتين.
الآن، وبالنظر الى ان العاصفة قد هدأت قليلا او مؤقتا، لا بد من ملاحظة ان هذا "التوتر" إنما جاء أولاً في سياق علاقات باردة، بين الأردن وإسرائيل، رغم مرور نحو عشرين عاماً على توقيع اتفاقية السلام، وانه يجيء في الوقت الذي تضع فيه إسرائيل العراقيل تباعاً أمام المفاوضات بينها وبين الجانب الفلسطيني، والتي يتابعها الأردن، بكل مستوياته عن كثب، وبكل اهتمام، لما لها من انعكاسات مباشرة، على النسيج الداخلي للدولة الأردنية، وهذا يعني بأن إحباط إسرائيل لحل الدولتين مع إصرارها على أن تنتهي الجولة التفاوضية الحالية، حتى 29 من نيسان القادم دون التوصل الى حل، من شأنه أن لا يفتح على انفجار في الضفة الغربية فقط، كما سبق وان حذرنا في أكثر من مقال سابق، بل سيشمل إطاراً أوسع، من المحتمل جدا أن يشمل الأردن أيضا.
مع استمرار الاستعصاء، ومع رغبة إسرائيل في الذهاب الى إجراءات أحادية الجانب في الضفة والقدس، ستنفجر الأوضاع الهشة في المنطقة، لتزيد من اشتعالها، لذا قد يكون الحل المنطقي أن تبدأ مفاوضات سياسية، بعد التاسع والعشرين من نيسان، ولكن ضمن إطار جماعي، تشارك فيه الى جانب الفلسطينيين والإسرائيليين، الأردن، مصر والسعودية، وتشارك فيه اوروبا _ التي بدأت مع زيارة إنجيلا ميركل لتل أبيب الدخول على الخط التفاوضي عمليا _ وكذلك روسيا، أي ضمن إطار "جنيف فلسطيني" هذا ما يقوله العقل والمنطق، ولا حاجة بالأطراف للذهاب الى جولة حرب أخرى، حتى تحدث القناعة بهذا الأمر، فمن الواضح أن مصير ومستقبل الضفة الغربية يؤثر مباشرة على الوضع الداخلي الأردني، كما أن مستقبل غزة يؤثر على مصر، ومن حق كل من مصر والأردن ان يتدخلا للدفاع عن مصالحهما الأمنية، وليس من حق إسرائيل فقط ان تقرر مصير الحرب والسلم في المنطقة ارتباطا بمصالحها الأمنية فقط.
وبين كل هؤلاء، طبعا هناك التطلعات والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وهذا أمر مفروغ منه، لكن وحيث إن التاريخ لا يسير في اتجاه واحد ولا في خط مستقيم، فان الأحداث الداخلية في المنطقة، تزيد من جهة ما، من "فتح الحدود" التي كانت مغلقة بين الشعوب العربية، وما يحدث بين الفلسطينيين والإسرائيليين لن يظل شأناً خاصاً بهما فقط، وإذا ما أصرت إسرائيل على ان تظل هكذا تتجاهل حقوق الفلسطينيين في دولة كاملة السيادة وحقوق الأردنيين والمصريين، في حسن الجوار، ضمن اتفاق جماعي (هنا يمكن القول بأن كامب ديفيد ووادي عربة وحتى أوسلو، لم تكن سوى اتفاقات مرحلية ومؤقتة، وان الحل النهائي يجب ان يكون شاملاً وجماعياً، فإما اتفاق مع الجميع أو إلغاء أوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة) فعليها ان تواجه الفلسطينيين والأردنيين والمصريين، حكومات وشعوبا، وليكن الشعار، إما سلاما عادلا ومقبولا، عبر عقد اتفاق جماعي، أو المواجهة الجماعية الشاملة.
Rajab22@hotmail.com


