في الأجندة الفلسطينية هذه الأيام تبدو الملفات التي تشغل بال الفلسطينيين مليئة بالهموم والمصائب والمكائد تطاردهم من كل حدب وصوب كما يقولون، وتبدو هذه الأجندة خالية تماما من أية مفاتيح للأمل أو المستقبل او الأفق، وفي كل ملف تتزاحم الذاكرة الفلسطينية بالمرارات والآهات.
فعلى صعيد المفاوضات كل يوم يصطدم الفلسطينيين بالتسريبات التي تبث لهم حول ما هو مطروح عليهم، وما يمكن أن تقبل به قيادتهم، والمناورات التي تبادر لها القيادة من أجل أن تظل موجودة على مسرح عمليات المفاوضات، فمن التطبيع بلقاءات لليهود في مقر المقاطعة بينما يحرم المواطنين الفلسطينيين من دخولها، إلى تسهيلات ومراقص ونوادي ليلية لراحة السكان اليهود في مدن الضفة الغربية، إلى كرم عربي فلسطيني أصيل باحتضان أعداد من اليهود داخل حدود الدولة الفلسطينية المفترضة لأنهم لا يجدون مأوى لهم داخل دولتهم المحتلة، إلى رهانات كثيرة حول ما يمكن أن تكون عليه القدس واللاجئين وحدود الدولة المفترضة، وفي كل هذا يتلقى الفلسطينيون يوميا عشرات التصريحات والتسريبات دون أن يعرفوا حقيقة ما يجري، ومصير ما يدور في الكواليس، مخنوقين وسط كل ذلك بالتسريبات حول الحصار المالي ووقف الرواتب وتهديدات القيادة.
وما يبدو أكثر إثارة في كل ذلك هو المواقف المتضاربة للقيادة الفلسطينية وقادة الكيان الصهيوني إزاء أجندة كل طرف لهذه المفاوضات والتي تبدو كما لو كانت خالية من الرؤية والهدف. يأتي ذلك في الوقت الذي تطارد فيه سلطات الاحتلال المواطنين في كافة أنحاء الضفة الغربية لأنهم يتنفسون فوق الأرض فيأخذون الأكسجين ويعيدون ثاني أكسيد الكربون فيهدد سلامة البيئة في دولة الاحتلال ويهدد امن ومستقبل المستوطنين في القدس والضفة الغربية ويثير القلق لدى القيادات المنية والعسكرية بان الفلسطينيين يخططون لاغتيال إسرائيل بثاني السيد الكربون من خلال زيادة أعداد السكان الذين يتنفسون في الضفة الغربية ويخرجون ثاني أكسيد الكربون كمخلف يقتل اليهود خنقا.
وفي موازاة ذلك يخنق الاحتلال قطاع غزة عبر الحصار الذي يفرضه عليه منذ قرابة ثماني سنوات، وعزلة عن العالم المحيط به، ومصادرة كل متطلبات الحياة الإنسانية التي تلزم للحياة اليومية للإنسان الطبيعي في هذا العصر. فهي تغلق المعابر وتغلق الأجواء وتغلق البحر وتغلق باطن الأرض، وتمنع دخول أية سلع أو بضائع تلزم حياة الإنسان الطبيعي، وتسمح بالمواد اللازمة للإنسان ليظل يعاني من الأمراض والهموم والخوف، فهي تقصف هنا، وتغتال هناك، ولاحق هنا، وتخطف هناك، وتجرف هنا، وتدمر هناك، وتهاجم هنا وتقصف بالدبابات والصواريخ هناك، المهم أن يظل المواطن الفلسطيني في غزة يشعر بأنه غير آمن، وغير مستقر، وأنه يعيش زائد عن حاجة دولة الاحتلال، وعليه إما أن يفكر في الرحيل أو أن يثور على قيادته التي جلبت له الحصار، وجعلته يئن تحت سيف الحصار الإسرائيلي بكل وجوه الوقحة. يأتي ذلك وسط استمرار فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وإرهاق المواطن الفلسطيني في ملحة الانقسام دون ان يعرف حقيقة ما يجري وأغراض ما يجري، كل ما يعرفه هو أن ذلك يسهم في إطالة أمد الحصار المفروض عليه منذ ثماني سنوات، وانه يحرم من حقوق الإنسانية في الحياة بفعل الاحتلال وبأيد فلسطينية تبقي عليه لعبة الحصار لعجزها وافتقارها إلى الرؤية السياسية في إدارة الصراع ومعالجة أخطاء المرحلة التي وقعت فيها سواء كلت ذلك عن قصد او غير قصد.
وغير ذي بعيد عن ذلك يطل علينا ملف حصار مخيم اليرموك الذي كان يأوي قرابة الـ200 ألف فلسطيني لم يتبق مهم سوى الربع تقريبا، بينما أجبر الباقون على الرحيل إن لم يكن لحقهم الموت قتلا أو جوعا وسط لامبالاة قاتلة من قبل جميع الأطراف وعلى رأسها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي وباقي الأقطار العربية التي تتفرج على مشهد مثير من أفلام الكابوي لعمليات تصفية الفلسطينيين وتهجيرهم بصورة منظمة من المخيم، فاقت تلك الملحمة التي صنعها شارون في عقد الثمانينيات في مخيمي صبرا وشاتيلا والتي راح ضحيتها على أبعد تقدير قرابة ثلاثة آلاف فلسطيني بينما نتحدث اليوم عن أكثر من مائة ألف فلسطيني من مخيم اليرموك لوحدة في سوريا، ولم أدري لماذا لم تضع القيادة ملف اليرموك على أجندة المفاوضات، وطاولة مجلس الأمن، أليس هذا الملف يحتل أولوية أهم من المفاوضات ومن عضوية فلسطين ومن أية عمل سياسي أو دبلوماسي فلسطيني باعتباره يمثل قضية رمزية للوجود الفلسطيني والمصير الفلسطيني والوحدة الفلسطينية.
إن ما يحيط بالفلسطينيين في هذه الملفات الثلاث في هذه المرحلة تشكل تراكمات سنوات عجاف منذ انطلاق قطار أوسلو وحتى اليوم، وفي كل عام وشهر وأسبوع ويوم يحمل لنا مأساة جديدة ومواجع جديدة، وتهجير جديد، وقتل وتشريد جديد، سواء كان ذلك بأيد إسرائيلية أو أمريكية أو عربية أو أممية، لكنهم يظلون على مسرح المجهول واللامبالاة والانتهاكات والمصادرة لحقوقهم وإنكار لوطنيتهم وهويتهم، يأتي ذلك بينما قطار المفاوضات والحصار والتهجير يواصل المسير على دمائهم وديارهم وأملاكهم وعقاراتهم ومقدساتهم وإنسانيتهم.
Omar_60_66@yahoo.com


