كنت وصديقي الفنان حسني رضوان الرجلين الوحيدين على مائدة عشاء تونسية، تحلقت حولها نحو تسع سيدات من بينهن الكاتبة المعروفة نوال السعداوي والمناضلة الفلسطينية عائشة عودة، اللتان أقيمت الوليمة على شرفهما، بعد عودتهما من الدورة السادسة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في العاصمة الجزائرية، قبل نحو ثلاثة عقود.
دار الحديث في السهرة الحميمة عما سيحل بالثورة الفلسطينية بعد رحيل قواتها ومؤسساتها عن بيروت، وأفاضت الأسيرة المحررة الفدائية وعضو المجلس الوطني آنذاك عائشة عودة في الحديث عما يعانيه الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، ولم تدخر نصيرة النساء الأكثر شهرة ذاك الزمان نوال السعداوي جهدا وهي تربط نضال المرأة الفلسطينية بنضال الرجل كأولى قضاياها، بالرغم من سطوته عليها.
كنت وحسني الأقل كلاما والأكثر استماعا، نكتفي بهز الرأس موافقة أو رفضا، إلى أن استدارت السعداوي لتسألني كمعلمة تفاجئ تلميذا شاردا عن رأيي في "الكلام ده"، فبهتُّ لحظة باحثا عن إجابة تُثبت انتباهي لكل "ما قيل"، وإذ بثقافة الصبا مما قرأته للسعداوي تسعفني لأقول كمن يحفظ تعويذة "إن المرأة الفلسطينية تواجه حربين معقدتين وقدرها أن تناضل على جبهتين، جبهة مواجهة الاحتلال وجبهة مواجهة حرمانها من حقوقها والمساواة مع الرجل"، فأسعدتني وأنقذتني من عيون وآذان الساهرات الللاتي كن يترقبن ما سيقوله "الأخ" قائلة "برافو عليك، أديك اختصرت الحكاية"!
ترد إلى خاطري ذكرى كهذه وأنا أفتقد زمن النسوة الرائعات، اللاتي رحلن ومن زلن على قيد الحياة، وسيرهن المثيرة للفخر، وهي سير معروفة يمكن لمن لا يعرفها أن يبحث على "غوغل" وسيجد ما يشفي الغليل، عن نساء اخترن المواجهة مع الظلم الذي يحل بهن كما حل بأمهاتهن وجداتهن، في محاولة لرسم معالم مستقبل حر لبناتهن وحفيداتهن، يقيهن ظلم الأهل والتقاليد والفقر والاحتلال، الذي تتقاطع سياطه على أجسادهن وتخنقهن وتقيد أرواحهن.
ولا يرد إلى خاطري ما يراود خواطر أكثر الناس بأن ثمة سببا يتعلق بالعرض والشرف وراء أي جريمة قتل تكون ضحيتها أنثى، سواء أكانت طفلة في أول عمر المشي والكلام أو فتاة في عمر الزهور أو امرأة مسنة، حتى لو أبعدت القرائن هذه "الشبهة" عن القتيلة، كالمسكينة التي قتلها أبوها ضربا وتعذيبا بمساعدة زوجته الثانية، قبل نحو أسبوع. لكنني أتميز كالناس غيظا لأن أحدا لا يشفي غليلنا بتصريح أو توضيح، كي لا نظل نهبا للتأويلات والقلق، خاصة عندما تتزامن جريمتا قتل لفتاتين في يوم واحد، إحداهما شمال غزة والأخرى في الجنوب، فالقتل يحدث "من السلك للسلك"، كما يقول أهل غزة!
إذن نساؤنا في مواجهة طامتين يا أستاذة نوال، الأولى عامة تطالهن كما تطال الرجال، مبعثها الاحتلال وتداعيات الحصار والانقسام السياسي، والثانية تخصهن، لأنهن في نظر الرجال الفاشلين في صناعة المستقبل "الحيطة الواطية"، التي عليها أن تكون عبدة صاغرة، حتى لمن يغتصبها ويقرر عند انتفاخ بطنها خنقها أو "شخطها عند البالوعة"، ومهما بلغت تضحياتها في سياق الطامة الأولى لا تنال إلا هامشا في سفر الأمجاد وعبارة في دستور، لزوم المناسبات والذكريات.
أود أن أسخر من قيم القتلة ومن يحميهم بقانون أو "فبركة" لسيناريو القتل ودوافعه، كما قد يحدث عند تغيير تهمة اللوط بقاصر إلى تهمة السرقة أو الشجار، حفاظا على سمعة عائلة اللائط ولاختصار عقوبته من عدة سنوات في السجن إلى عدة أشهر، بالرغم من أن الجميع يعلمون الحقيقة ومكامن الفضيحة والعار.
للحب زمن آخر، فهذا زمان قتل النساء، بذريعة جاهزة تقوم على ادعاء أن القتل جاء على خلفية الشرف، كستار "مُشرّف" للدوافع الحقيقية للقتل، ما يتيح للقتلة رفع شعار "الموت للنساء أولا". أليس على المرأة كضحية مستهدفة أن تصنع قدرها فتقول لا، للشقيق الطامع في إرثها، والأب البخيل الذي يبيعها لصاحبه المسن، والزوج المدمن أو القواد، والابن العاق الذي يعاقبها إرضاء لزوجته؟ وحين تخرج زوجة أو ابنة للمطالبة بحقوقها فإن على الزوج والابن والشقيق أن يخرج معها، ويسابقها لتلقي هراوة أنفار الأمن الذين لا يريدون لها أن تهتف أو تصرخ أو تزغرد أو تنوح، وإلا كان شريكا في ظلمها، لا يستحق حبها، إن كان في قلبها حب!
tawfiqwasfi@yahoo.com
توفيق وصفي


