خبر : السلطة الفلسطينية في مواجهة اللامعقول ...بقلم: محمد ياغي

الجمعة 21 فبراير 2014 06:36 م / بتوقيت القدس +2GMT



لم يتنبأ أبو مازن بأن يوماً سيأتي عليه ليكون مضطراً للاختيار بين الموافقة على مطلب يهودية الدولة أو الاتهام بأنه من أفشل المفاوضات. في تقديره الشخصي كان ومنذ اتفاق اوسلو على قناعة بأن الموافقة على القرارات الدولية الخاصة بالصراع، ورفض العنف ومحاربته، والاستعداد لإبداء مرونه في قضايا الحدود واللاجئين والأمن كفيلة بأن تنهي معاناة الفلسطينيين بإقامة دولة لهم عاصمتها القدس.
تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
يقال بأن أبو مازن كان من المتشددين في مفاوضات كامب ديفيد لأن ما عرض فيها أقل بكثير مما يمكن لأي قيادة فلسطينية أن تقبل به.. وكان من الرافضين أيضاً لتسليح الانتفاضة الثانية..لكنه أيضاً لم ييأس من المفاوضات. لهذا كان على قناعة بأن تكريس الأمن في الضفة الغربية وتفعيل التنسيق الأمني مع إسرائيل، سيدفع العالم للضغط على إسرائيل وسيجبرها على القبول بمساومة تاريخية تكفل للفلسطينيين جزءا من حقوقهم.. لكن ذلك لم يتم.
شارون فاجأ العالم باستعداده للانسحاب منفرداً من غزة. وأُلقيت في ملعب أبو مازن كرة كبيرة اسمها إثبات القدرة على إدارة غزة إذا أردتم التفاوض بشأن الضفة.
لم يكن المشروع الإسرائيلي بريئا بطبيعة الحال وكانت الرغبة في اقتتال فلسطيني-فلسطيني هي الدافع وراء الضغط على السلطة لإثبات قدرتها الأمنية على السيطرة على منطقة لم تتمكن إسرائيل نفسها من السيطرة عليها.. وكانت النتيجة سيطرة "حماس" على غزة.
الفشل في غزة.. وقد كان أمراً مفروغ منه من قبل إسرائيل..لم يؤد الى بدء المفاوضات التي أرادها أبو مازن لأن عنوان اللعبة الإسرائيلية تغير من إثبات النفس في غزة، الى الحاجة لبناء مؤسسات فاعلة للسلطة تمكن الأخيرة من استلام الدولة بعد الاتفاق عليها. لعبة بناء المؤسسات أخذت وقتها قبل أن يتمكن أبو مازن من اختبار برنامجه التفاوضي.

مفاوضات مع طرف لا يريدها
لم يتفق أبومازن مع إيهود أولمرت على تسوية للصراع لأن الأخير لم يكن يفاوض وإنما كان يخوض عملية استكشاف لسقف التنازلات الفلسطينية الممكنة قبل البدء في التفاوض..لهذا لم يكن هنالك محاضر مفاوضات أو خرائط موثقة توحي بأي اتفاق، وكل ما تم ذكره أن أولمرت عرض خريطة، لم تتبنها السلطة ولم تحصل على نسخة منها أيضاً، يمكن التفاوض عليها.. أولمرت رحل بفضيحة فساد غطت على مشروعه التفاوضي ولم تبق منه شيئاً يمكن البناء عليه.
منذ خمس سنوات يحاول أبومازن وضع مشروعه التفاوضي موضع اختبار جدي، لكن محاولاته تصطدم بشخص لا يريد المفاوضات وكاره لها، ورافض أصلاً لاتفاق أوسلو الذي أسس لهذه المفاوضات. نتنياهو بدأ ولايته بحملة مكثفة للاستيطان مستنداً على قاعدة أن إسرائيل لم توقف الاستيطان في أية مرحلة سابقة.. المفاجأة لم تكن تخلي الولايات المتحدة عن شرط وقف الاستيطان لبدء المفاوضات، وهو الشرط الذي وضعه أبو مازن بناء على تصريحات ومواقف معلنة من الرئيس أوباما.. والمفاجأة لم تكن العودة للمفاوضات بدون مقابل فعلي.. المفاجأة كانت باشتراط موافقة الفلسطينيين على يهودية دولة إسرائيل كجزء من اتفاق سلام نهائي مع معها.

في مواجهة اللامعقول.
لتذهب إسرائيل الى الامم المتحدة وتصدر قراراً أممياً بأنها دولة يهودية وسنقبل به.. لكن لا تطالبونا بالموافقة على شيء لم يطرح علينا في مفاوضات أوسلو، كامب ديفيد، وحتى خلال ولايتي شارون وأولمرت، يقول أبومازن في لقائه مع طلاب الجامعات الإسرائيلية.. لست متأكداً بأن على الفلسطينيين القبول بقرار من هذا النوع حتى وإن صدر عن مؤسسة دولية.. مثلاً، جميع القرارات الدولية المتعلقة بوقف الاستيطان لا تقبل بها إسرائيل.. القرارات الدولية التي تقول بأن القدس أرض محتلة وينطبق عليها ميثاق جنيف، إسرائيل ترفضها.. لماذا على الفلسطينيين القبول بقرار ضد مصلحتهم وتاريخهم. لكن ليس هذا هو جوهر اللامعقول الذي على السلطة التعامل معه.
مطلب يهودية الدولة موضوع على الطاولة من قبل إسرائيل لتحميل الفلسطينيين مسئولية فشل المفاوضات.. لذلك حتى لو تم قبوله سيتم وضع شروط أخرى لدفع الفلسطينيين للرفض. لاحظوا الرفض الإسرائيلي لفكرة التخلي عن الأغوار أو القدس العربية، أو حتى مجرد القبول بعودة بضع آلاف من اللاجئين الفلسطينيين لأرضهم التاريخية.. هذا عدا عن مسائل عديدة أخرى لم تفتح بعد للنقاش مثل المياه، نسبة تبادل الاراضي وأماكنها، السيطرة على المعابر، والقائمة فعلياً تطول. بمعنى أن القبول بيهودية إسرائيل لا ينهي قائمة المطالب الموجودة في جعبة نتنياهو.
التحدي الذي تتعرض له السلطة اليوم ليس القبول بخطة كيري أو رفضها لأن القبول بها لا يعني فرصة لاختبار برنامج أبو مازن التفاوضي حتى لو كان بحد أدنى بكثير من ذلك الذي كان يريده.. القبول بها يعني مقدمة لمطالب جديدة تستهدف تنازلات جديدة، وفي النهاية لن يكون هنالك حل لأن حكومة إسرائيل الحالية لا تريد أي حل.. هذه حكومة تعتبر الضفة الغربية جزءا من أرض إسرائيل، ولن تتنازل عنها.. وأكثر من ذلك هذه حكومة ترى أن المتغيرات في العالم العربي تصب في خدمتها وهي بالتالي ليست بحاجة لاتفاق مع السلطة.. عندما يحين الوقت ستقوم برسم حدودها لوحدها، وسيتم دعوة السلطة للموافقة على المشاركة في ترتيبات الوضع الجديد.
في مواجهة اللامعقول الإسرائيلي خيارات السلطة محدودة والاختيار بينها له أثمانه. لكن هنالك نقطة بداية للاختيار يمكن الانطلاق منها وهي مصارحة الشعب الفلسطيني بأن المفاوضات قد فشلت.