في لقائه مع طلاب الجامعات الإسرائيلية من اليهود، أعلن الرئيس محمود عباس عدم نيته "إغراق إسرائيل" بالفلسطينيين، وكان قبل ذلك قد أعلن بأن حق العودة إنما هو حق شخصي، لا يستطيع أحد أن يقرر بشأنه، حتى لو كان مخولا بالتحدث والتفاوض باسم الشعب الفلسطيني، وذلك في محاولة منه لصد الهجوم السياسي الإسرائيلي المتمثل بالمطالبة بما يسمى بيهودية الدولة، والتخفيف من روع الإسرائيليين وإقناعهم بأهمية وضرورة التوصل الى حل سياسي، يضع حدا لحالة الصراع الدائر منذ عقود، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وصنع السلام بينهما.
وفي الحقيقة فان الرئيس عباس، بمثل تلك التصريحات، إنما يبدي مرونة بالغة، من أجل إنجاح المفاوضات، ونزع كل الحجج والاشتراطات الإسرائيلية التعجيزية، التي لا يبدو أن لها من هدف سوى عدم التوصل الى حل عادل من شأنه من يحقق السلام والتعايش للفلسطينيين والإسرائيليين في المنطقة .
لا يتطرف الفلسطينيون في المفاوضات، رغم ثباتهم على المطالبة بالحد الأدنى من حقوقهم الوطنية المكفولة دوليا، ولا يتوقفون عند حدود الشكل، ولا يتشبثون بالنص دون البحث عن معناه، وكان يمكنهم أن يرفعوا الشعارات، كما يفعل الإسرائيليون، من نمط الإعلان مثلا عن حقهم الشرعي والطبيعي في مقاومة الاحتلال بكل أشكاله الممكنة، وإصرارهم على تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، بدءا من قرار التقسيم وليس انتهاء بعضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة، وحقها في اللجوء الى كل منظماتها الدولية لنيل هذه الحقوق، بل ومطالبة إسرائيل بالاعتراف قبل كل شيء بأنها دولة تحتل أرض الدولة الفلسطينية، المحددة بالرابع من حزيران العام 67 .
مختصر القول إن من يريد أن يفشل المفاوضات ومن لا يرغب في التوصل الى حل يمكنه أن يجد ألف طريقة والف حجة لبلوغ هذه الغاية، اما من يريد فعلا التوصل الى حل، فيمكنه أن يبدي المرونة في الشكل وان يجترح الحلول للملفات الصعبة، خاصة وان هذه المفاوضات تبحث في ملفات الحل النهائي، وحيث ان الهدف في النهاية هو ان يتوصل الجانبان الى حل من شأنه ان لا يشعر معه أي طرف بانه قد لستسلم لإرادة الآخر، وانه لم يحقق ما يطمح إليه، فانه حتى لو تم التوصل الى حل ما، فان مثل ذلك الحل لن يصمد ولن يبقى طويلا على الأرض، والغاية من الحل المنشود هي صنع السلام والتعايش، لإن بقاء إسرائيل كدولة غيتو، لن ينهي الصراع أبدا .
من الواضح أن أحد أهم العقبات الآن تتمثل في مطالبة الجانب الإسرائيلي اعتراف الجانب الفلسطيني في أي حل بينهما بما يسمى بيهودية الدولة، وهذا أمر أعلن الرئيس الفلسطيني بشكل حازم بانه لن يعترف به مطلقا، ذلك أن المطلب الإسرائيلي، لا يفتقر للمنطق وحسب، حيث يمكن لإسرائيل أن تسمي نفسها بما تشاء، وان تضمن دستورها ( الذي لم تقره بعد ) بعد ان تعلنه، بانها دولة يهودية او دولة لليهود، كما تفعل معظم الدول العربية، التي تعرف نفسها بدساتيرها بأنها دول عربية مسلمة، ويمكنها أن تتوجه للأمم المتحدة _ مثلا _ بمثل هذا المطلب، وحيث أنه لم يسبق لها ان طالبت مصر أو الأردن بمثل هذا من قبل، ولكن يمكن أن يقترح الراعي الأميركي، مثلا تعريف إسرائيل بأنها دولة ذات أغلبية يهودية، حتى لا يعني تعريفها كدولة لليهود فقط فتحا لباب التطهير العرقي أو إقامة دولة دينية، تكون سببا في شن الحروب الدينية في المنطقة، والأهم حتى يتم نزع النية في إغلاق الباب أمام حق العودة للفلسطينيين .
كما انه يمكن البناء على أن اتفاقا بين الطرفين بشأن حق العودة، يتضمن الاعتراف بهذا الحق الشخصي وبناء على القرار الأممي 194، بأن حق العودة لا يعني بالضرورة المواطنة، اي أن يحصل الفلسطيني العائد الى وطنه، أي الى بيته في دولة إسرائيل الحصول على الجنسية الإسرائيلية، لأن جنسيته ستكون فلسطينية او جنسية اية دولة أخرى، ولكن يعني حقه في الإقامة في تلك الدولة .
ويمكن من اجل محاولة تخطي ما تضعه الحكومة الإسرائيلية من عقبات لإغلاق الأمل في ان تتوصل هذه المفاوضات الى حل، أن تتم الإشارة الى أن حرب العام 48 ورفض قرار التقسيم من قبل العرب واليهود في حينه، وبالتالي عدم تطبيق حل الدولتين منذ ذلك الوقت، كان السبب الرئيسي لنكبة الفلسطينيين وتهجيرهم من وطنهم، وأن حق العودة والتعويض يشمل الفلسطينيين العرب واليهود الذي هجروا قسرا من وطنهم، حيث يحق للفلسطينيين الراغبين في العودة الى وطنهم، بما في ذلك الجزء الذي صار دولة إسرائيل، واليهود الراغبين بالعودة للدول العربية أن يعودوا الى وطنهم !
يمكن لمن يريد، فعلا أن يجد حلا، أن يجده في كل حال، لذا فانه مقابل ما نشهده من كفاح فلسطيني من أجل التوصل الى حل، نلاحظ ان الجانب الإسرائيلي، لا يسعى فقط من أجل إفشال كل إمكانية للحل، عبر اللجوء للمطالبات التعجيزية، ولكن أيضا يواصل الفعل على الأرض الذي من شأنه تقويض حالة التفاوض والتي لم تشهد منذ أسابيع لقاءات بين الجانبين، وحيث وصلت العقدة، هذه الأيام للمنشار، فإن غدا لناظره قريب، وما هي إلا بضعة أسابيع، ويحل موعد إطلاق الدفعة الأخيرة من أسرى ما قبل أوسلو، حيث يمكن ان تغلق بوابة التفاوض مبكرا، وحتى قبل نهاية نيسان، الموعد الأخير لانتهاء مدة التسعة أشهر التفاوضية، دون حل، عندها، لكل حادث حديث، حيث من المرجح ان يدخل الطرفان الى مرحلة جديدة من المواجهة، التي قد تشهد "خلطاً" بين العنف والسياسة، أو انتقالا لطريق آخر من المجابهة.
Rajab22@hotmail.com


