حتى الفترة القريبة الماضية كانت إسرائيل تنظر لما جرى في البلدان العربية على أنه شيء ربما يكون في صالحها خاصة بعد تدمير قدرات العراق والتهاء مصر بمشاكل داخلية جدية وصعود حركة "الإخوان المسلمين" إلى سدة الحكم في أكبر دولة عربية واحتمالات قيام تحالف إسرائيلي- إخواني بدأت بوادره في التنسيق في بعض الملفات مثل غزة وسيناء، وعملية التدمير المنهجي لسورية في الحرب الطاحنة التي تدور رحاها في هذا البلد منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، ولكن الآن بدأت أوساط صنع القرار الإسرائيلية في التفكير بصورة مختلفة يشوبها الكثير من القلق وخاصة من التطورات الحاصلة في مصر وسورية ونسبياً الساحة الفلسطينية.
وما يقلق إسرائيل وكذلك حليفتها الكبرى الولايات المتحدة الأميركية هو طبيعة العلاقات التي تنسجها روسيا مع الدول العربية المركزية التي تحيط بإسرائيل من الشمال والجنوب والدعم الذي يقدمه الرئيس فلاديمير بوتين للرئيس الأسد وللمشير عبد الفتاح السيسي. فدعم الأسد من شأنه أن يقوي محور إيران- سورية- حزب الله وهوما برز بوضوح في مؤتمر جنيف 2 الذي انتهى إلى الفشل بسبب رفض النظام السوري بحث موضوع الحكومة الانتقالية وربط هذا بالاتفاق أولاً على مسألة مكافحة الإرهاب، ولولا الدعم الروسي ما كان الأسد بهذه القوة.
ومن الواضح أن أميركا لا تملك خطة معينة لمعالجة الوضع في سورية على الرغم من أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري قال في بكين (14/2) أن الرئيس أوباما بصدد وضع خطة كهذه، ولكن التقديرات تشير إلى أن الأميركان يسلمون هذا الملف لروسيا ولا ينوون التدخل بشكل جدي، والذي يزعج إسرائيل هو فكرة بقاء نظام الأسد وبقاء الجيش السوري المدعوم من روسيا والذي بدون شك سيكون قوة مهمة يحسب لها حساب إذا ما أعيد بناؤه وتم تزويده بأسلحة أكثر تطوراً.
والدعم الروسي يقوي إيران في محادثاتها مع مجموعة خمسة زائد واحد الدولية، ويجعلها ترفض التنازل إلى المستوى الذي تريده إسرائيل في الملف النووي. وخروج الأسد وإيران منتصرين في أعقاب هذه الحرب الدموية المدمرة سيؤثر على موازين القوى خاصة على الجبهة الشمالية بالنسبة لإسرائيل.
ولا شك أن زيارة المشير السيسي لروسيا كانت بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة خطوة سلبية بعيدة المدى يبعد فيها السيسي مصر عن علاقات تحالفات سابقة، خاصة وأنها تتضمن التوقيع على صفقة سلاح مهمة تقدر بملياري دولار أو ثلاثة – حسب بعض المصادر في روسيا- وتشمل طيارات حديثة وصواريخ مضادة للطيران من طراز إس 300 التي حاربت إسرائيل بشدة من أجل عدم امتلاك سورية لها. والأهم هو القرار بتنويع مصادر السلاح والذي يعني سياسياً استقلال القرار السياسي المصري وتعزيز دور مصر الإقليمي والدولي.
وينظر الإسرائيليون للسيسي كشخص ناصري يتبنى خطاً قومياً سيقود إلى تعزيز قدرات الجيش المصري مقابل إسرائيل، ولو أنه حتى اللحظة يحافظ على العلاقة مع إسرائيل، ولكن هذا على ما يبدو مؤقت ومرتبط بـ"تنازلات" عسكرية إسرائيلية جوهرية في سيناء، وفق تقديرات إسرائيلية. ولا يروق لإسرائيل أن ترى الجيش المصري مزوداً بسلاح يستطيع تجاوز سيناء وقد لا تعرف كل أسراره كما هو السلاح الذي تحصل عليه مصر من الولايات المتحدة والذي هو أقل جودة من الذي تحصل عليه إسرائيل، وبالنسبة لواشنطن فخطوة السيسي تجاه موسكو سعي للتحرر من الهيمنة الأميركية وتهيئة لدور مصري أكثر استقلالية.
هذه التطورات المهمة على الجبهتين السورية والمصرية واللتين تحتل فيهما روسيا مركز الصدارة والدور القيادي الرئيس، بالإضافة إلى دورها في الملف الإيراني لم تكن الوحيدة التي تثير قلق إسرائيل وحليفتها الإدارة الأميركية، بل إن زيارة الرئيس أبو مازن لروسيا أثار مخاوف إسرائيل كذلك، فخلال زيارة الرئيس ابو مازن لموسكو في 24 يناير الماضي بحث مع الرئيس بوتين قيام الشركة الروسية غاز بروم بالتنقيب عن الغاز مقابل شواطئ غزة في البحر المتوسط، على أن تقوم روسيا بدفع مليار دولار لفلسطين كثمن لحوالي مليار متر مكعب من الغاز يمكن استخراجه من البحر، وأيضاً السماح لشركة "تكنوبروم اكسبورت" الروسية بالتنقيب عن البترول بالقرب من رام الله. وحسب مصادر اسرائيلية فإن هذا التطور من شأنه محاصرة خطوط الغاز والبترول الإسرائيلية في البحر بخطوط نقل روسية، ما قد يؤثر على قدرة إسرائيل في التصدير وينافسها بشدة في الأسعار.
والشيء الآخر الذي أقلق إسرائيل وفاجأها في زيارة ابو مازن أنه حصل على دعم روسيا وكأنه يمثل دولة مستقلة تملك حق التوقيع على اتفاقات بامتلاك حقول اقتصادية دون الرجوع لإسرائيل التي ترى أن كل هذه المسائل يجب أن تخضع للمفاوضات معها، أي أن روسيا بوجودها في البحر المتوسط قبالة شواطئ غزة ستمنح الفلسطينيين وضع دولة مستقلة تسيطر على مواردها تماماً كما تتفق روسيا مع سورية بخصوص البترول والغاز.
ويضاف إلى كل هذا أن الرئيس أبو مازن بحث مع الروس امكانية إقامة إطار دولي للمفاوضات مع إسرائيل يلغي الاحتكار الأميركي للعملية السياسية- على حد تعبير نبيل شعت في تعقيبه على زيارة الرئيس لموسكو- ويسمح لروسيا والقوى العظمى الأخرى بلعب دور في العملية السياسية. فإذا كانت إسرائيل تستصعب التعامل مع الموقف الأميركي المؤيد لها وتهاجمه بطريقة غير لائقة فكيف يمكنها تحمل موقفاً دولياً متوازناً وأقرب للموقف الفلسطيني.
إنها بلا شك تطورات وتغيرات مقلقة والوقت أمام إسرائيل قصير لتدارك الأمور قبل أن تتغير موازين القوى وما يمكن أن تحصل عليه الآن قد يصبح بعيد المنال غداً.


