خرج نحو ثلاثمائة طالب جامعي يهودي من اللقاء الذي جرى أول أمس، مع الرئيس محمود عباس في رام الله، بقناعة تامة، وهي أن هناك شريكا فلسطينيا للسلام، بعد ان أوضح لهم الرئيس رؤيته للحل، بما في ذلك عدم وجود نية فلسطينية "لإغراق" إسرائيل بملايين الفلسطينيين، وبذلك تولدت قناعة لدى الطلاب الذين ينتمون للأحزاب الإسرائيلية المختلفة، بما فيها أحزاب اليمين والأحزاب الدينية، أنهم يتعرضون الى الخداع من قبل قادتهم، وأنهم سيعودون الى الشارع الإسرائيلي ليكشفوا له هذه الحقيقة.
من الواضح أنه، كلما اقترب موعد التاسع والعشرين من نيسان المقبل، ازدادت الأجواء المحيطة بالمفاوضات الفلسطينية/ الإسرائيلية توترا، وكلما ارتفعت وتيرة التصريحات، على الجانبين حدة وانفعالا، ومقابل ما نلحظه من "هدوء" في أوساط الرئاسة الفلسطينية، نلاحظ درجة من الانفعال لدى الجانب الإسرائيلي، الذي باتت أوساطه تفكر، بأمر ما من شأنه أن يقلب الطاولة رأسا على عقب.
بالترافق مع إقدام إسرائيل على تسخين متصاعد لجبهة غزة، من خلال العودة لسياسة التصفيات واستهداف كوادر المقاومة الفلسطينية، ومواصلة عمليات التوغل في القطاع، حيث يبدو أن كلا من إسرائيل و"حماس" باتت لهما مصلحة ما في تسخين الجبهة بينهما، دون ان يعني ذلك تكسير قواعد اللعبة، فـ"حماس" باتت تحت ضغط شديد منذ خلع صديقهم الرئيس المصري السابق/ المخلوع محمد مرسي العياط عن منصب رئاسة الجمهورية المصرية، فيما إسرائيل تواجه مشكلة جراء صمود الجانب الرسمي الفلسطيني في وجه الضغوطات للقبول بخطة كيري، نقول بالترافق مع سياسة التصعيد على جبهة غزة، والتي قد تجر لحرب محدودة، تحقق فيها إسرائيل هدفا مزدوجا، يتمثل في توجيه ضربة قاصمة لسرايا القدس، والتنصل من خطة كيري، فيما تتحرر "حماس"، ولو قليلا من الضغط، عبر استجداء التعاطف الفلسطيني، وربما العربي، وإعادة إحياء فكرة كسر الحصار عن غزة!
نقول مقابل ذلك، إن إسرائيل تحاول أيضا "تحصين" ملفات التفاوض داخليا، من خلال استصدار قوانين برلمانية من خلال الكنيست تحول دون الانسحاب من الأرض الفلسطينية المحتلة، وكذلك تمنع الخروج من القدس الشرقية المحتلة، وبالطبع تؤكد "يهودية الدولة" لإغلاق الأبواب أمام حق العودة الفلسطينية.
درجة خطورة ما تفكر به إسرائيل دفع الأردن الى القول إن إسرائيل تلعب بالنار حين تسعى من خلال الكنيست الى الإعلان عن إلغاء الولاية الدينية الأردنية عن القدس، فيما يشارك قادة الأحزاب الإسرائيلية في الإعلان عن مواقفهم المختلفة ويقومون بنشر أفكارهم في كل اتجاه، في محاولة لنشر فوضى الأفكار، حتى لا ينتهي الأمر التفاوضي الى شيء.
آخر ما لفت الانتباه هو تصريح النائب عن البيت اليهودي اليميني المتطرف، الحزب الذي يعتبر حزب المستوطنين اليهود، والشريك في الحكومة الائتلافية، عن الحل في ظل الدولة الواحدة بدلا من الدولتين، حيث انه قد لوحظ، أن الصراع السياسي الداخلي في إسرائيل إنما هو قائم بين اتجاهين، كلاهما يريد الانفصال عن الفلسطينيين: الأول يعلل تأييده لحل الدولتين بالخشية من فرض حل الدولة الواحدة، ثنائية القومية في نهاية المطاف، والثاني يرفض الانسحاب من الضفة والقدس، بدعوى أنها أرض الأجداد، ويعلل ذلك بالمخاطر الأمنية الناجمة عن ذلك، وحتى يبقى بنيامين نتنياهو رئيسا للحكومة وحزب الليكود في الحكم، يقول إنه يريد يهودية الدولة للحفاظ على طابعها القومي، ولقطع الطريق على الدولة الواحدة، وفي نفس الوقت يقول بعدم تفكيك أية مستوطنة أو إخراج أي مستوطن!
بين حزبي العمل والبيت اليهودي، يبدو نتنياهو "حائرا"، ولذا فإن أسهل قرار وانسبه بالنسبة له، هو ان يضع الشروط التعجيزية، التي تفشل إمكانية التوصل الى الحل، وبذلك يتجنب مصيرا مشابها لمصير سابق كان قد تعرض له، بعد اتفاق "واي ريفر" حول مدينة الخليل والذي كان سببا في سقوط حكومته الأولى، وتقدم أرئيل شارون لقيادة الليكود ومن ثم تولى منصب رئيس الحكومة بدلا منه.
وهذا يعني بوضوح، ان الطريق مسدود أمام خطة كيري، بسبب فقدان الشريك الإسرائيلي للحل التاريخي، ذلك أن ما بين مفهوم العمل وحتى الليكود لحل الدولتين، ومفهوم البيت اليهودي للدولة الواحدة، تشويه للحلين معا، فلو أفترضنا جدلا أن إسرائيل اختارت حل الدولتين، فإن ذلك يعني أنها لن تكون قادرة على قبول حل دولتين حقيقي، يشمل الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 67 والقدس عاصمة وحق العودة والتعويض للاجئين، وان حل الدولة الواحدة، لن يقوم على مبدأ المواطنة والمساواة، بل على مبدأ الفصل العنصري، من خلال الاستناد ليهودية الدولة، أو ربما أبعد من ذلك من خلال إقامة الدولة، ثنائية القومية في الضفة الغربية وليس على ارض فلسطين التاريخية.
جوهر المشكلة والتي تتفاقم منذ أوسلو، قبل عشرين سنة، هو ان الموقف الإسرائيلي التفاوضي في حالة تراجع، نظرا لأن المجتمع الإسرائيلي في حالة تقدم باتجاه اليمين والتطرف والتدين، لذا فلن يكون هناك شريك إسرائيلي، ما لم يحدث اختراق في بنية المجتمع الإسرائيلي، تحرره من إرث "الغيتو" والعزلة، وتدفعه للتعايش مع الآخرين!
Rajab22@hotmail.com


