فيما مضى كانت هناك يافطة ضخمة على شكل قوس كبير على مدخل مدينة غزة الشمالي بالقرب من مصنع السفن اب مكتوب عليها "غزة ترحب بكم"، ومثلها باللغة الإنجليزية.
لا يمكن الآن بعد أن تغيرت الأحوال وتبدلت الدنيا أن ادرك بأن مثل هذه اليافطة كانت حقاً علامة الدلالة على غزة، لكنها بالنسبة للفتى الذي كنته قبل عقود مضت كانت كذلك.
الآن هناك ألف شارة ويافطة تقول لي إنني في غزة، ولم تعد تلك اليافطة إلا شيئاً من بقايا الزمن الجميل.
فإذا مر اليوم كاملاً دون أن تقطع الكهرباء فجأة او على موعد او دون موعد، فأنت لست في غزة.
عليك أن تنتبه على مواعيد الكهرباء وتقوم بترتيب وقتك وفق هذه المواعيد.
من الأفضل أن تحفظها عن ظهر قلب، وإذا كنت تعاني من عطب في الذاكرة او خشيت أن تنسى، فلا بأس لو قمت بكتابتها على ورقة وعلقتها على جدار الغرفة مثل لوحة جميلة تحتفظ بها، او صورة لعزيز غائب.
من الضروري أن تبرمج حياتك على هذه المواعيد، وعليه فلا يكفي أن تقوم بحفظ جدول الكهرباء في حارتكم بل يجب عليك أن تحفظ مواقيت الكهرباء لدى أقاربك وأصدقائك.
فأنت لو قررت أن تزور صديقاً، هل تزوره والكهرباء قاطعة!! لن يكون لائقاً فعل ذلك.
هل تزور أقرباءك في العتمة! أيضاً ليس من اللائق فعل ذلك. إذا من الأفضل أن تنتبه جيداً. لا بأس يمكنك أن تتصل لتسأل عن الكهرباء عندهم، وتخبرهم أنك ستزورهم في الوقت الذي تكون الكهرباء تنير بيوتهم.
هذا أفضل. بالطبع لا جدول مقدسا في غزة. حيث لا مواقيت فإذا كانت الكهرباء ستقطع عند الثالثة فقد تقطع عند الثانية او الثانية والنصف، وإذا كانت ستأتي عند العاشرة ليلاً فقد تأتي بعد ذلك بساعة. أنت بالطبع ستتكيف مع هذا الوضع وتقول المهم ألا تسوء الأمور أكثر من ذلك!! "آمين"
أما إذا باغتتك الكهرباء وفاجأتك مثل عادتها وقطعت بلا استئذان فليس لك إلا أن تبتسم وتقول إنك فعلاً في غزة.
وإذا ما طرق معبئ الغاز باب بيتك وطلب منك "جرة الغاز" الفارغة لأنه سيعبئها بعد لحظات، فأنت لست في غزة.
لا تصدق لابد أنك تحلم، او أن شخصاً ما يقوم بخدعة ما أو ربما كانت تلك الكاميرا الخفية. عليك أن تنتبه. جرة الغار صارت عزيزة وصار يجب الحفاظ عليها والانتباه لها حتى لا تقطعك فجأة وتجد نفسك بلا غاز فتضطر أن تعود نصف قرن للوراء وتوقد "بابور الكاز" إذا توفر عندك واحد.
لابد أن لديك الآن، بعد أن تعلمت الدرس جيداً، بابوراً تضعه في مكان ما في البيت من أجل تلك اللحظة التعيسة حين تجد نفسك فجأة تبحث عنه تنفض عنه التراب وتوقده.
ولكن عليك دائماً أن تتذكر أن توفر له الكاز غير المتوفر أصلاً. وإذا لم يتوفر فعليك أن ترجع للعيش في القرون الوسطى وتوقد ناراً من الحطب حتى تطهو عليها.
انت فعلاً قد لا تكون بحاجة لكل ذلك إذا ما تصرفت جيداً وحافظت على جرة الغاز في البيت.
وأيضاً إذا ما أقمت علاقة جيدة مع موزع الغاز الذي صار الرجل الأهم في الحارة. رد عليه الصباح، بادره بالسؤال عن صحته، ابتسم في وجهه على الطلعة والنزلة، اعمل أي شيء، المهم ان تجد جرة غازك دوراً متقدماً لها في طابور الانتظار.
وإذا ما مررت عن محطة البنزين ووجدت السيارات تملأ خزاناتها وتمضي بلا زحمة ولا طابور فأنت لست في غزة. البنزين كلمة السر في تسيير الحياة.
فجأة قفز لتر البنزين من أقل من ثلاثة شواكل إلى اكثر من ستة. وفجأة ارتفعت المواصلات وصار على طالب الجامعة ان يفكر جيداً حيث ارتفعت تكاليف الحياة، اما إذا كان لوالده أربعة طلاب في الجامعة فعليه أن يعد من واحد للعشرة بالمقلوب.
لا بأس لو مشوا بعض المسافة قليلاً. طبعاً ارتفاع أسعار البنزين يجب أن يتحملها المواطن والسائق فقط، لا أحد يتحمل المسؤولية على كاهله ويقول أنا المسؤول.
نحن مسؤولون في المغانم وليس في المغارم، لأننا في غزة
وإذا مر شهر كامل دون ان تجد نفسك بلا ماء، فأنت لست في غزة. وإذا خطر لك ان تسافر فجأة وذهبت للعبور في منتصف الليل وقطعته إلى العالم الخارجي فأنت لست في غزة.
وإذا نظرت للبحر وقفزت إلى أحد المراكب وقررت أن تبحر إلى جزيرة نائية او حتى ميناء مجاور فأنت بالتأكيد لا تقف على شاطئ غزة.
وإذا استطعت ان تنام دون ان تسمع صوت الزنانة فوق رأسك مثل ذبابة لا تفارق أذنك، فأنت لست في غزة. وإذا مرة خطر لك أن تحتج على قضية ما وذهبت ووقفت وحدك ترفع يافطة في ميدان فلسطين أو الجندي المجهول فأنت لست في غزة. وإذا وإذا وإذا وإذا
وامام كل ذلك عليك دائماً ان تتعلم قواعد جديدة حتى تصبح حياتك في غزة ممكنة وصالحة ومحتملة، اما إذا لم تقم بذلك فعليك أن تبتدع طرقاً حتى تنسى أنك في غزة، مثلاً تتخيل أنك تعيش في مدينة اخرى، تسير في شوارع أخرى، تزور اماكن اخرى، ان تجد نفسك في عالم آخر.
أنت لا تهرب، فأنت شجاع، لكنك تبحث عن الأفضل، وهذا حقك. المهم ان تستطيع تحمل خفة الحياة وقسوتها.
كم حرب مررت بها، وكم عالم انهار حولك، ولم تسقط ولم تستسلم. بقيت صامداً رغم كل شيء.
فغزة لها قوانينها وقواعدها، عليك أن تلتزم بها وتحافظ عليها، وان تسير "الحيط الحيط" حتى لا تقع في متاهات ومشاكل يمكن لك إذا حسبتها "صح" أن تتجنبها. أهلاً وسهلاً بكم في غزة.


