خبر : حان الوقت لعودة الجميع إلى البيت ....بقلم: حسين حجازي

السبت 15 فبراير 2014 09:03 ص / بتوقيت القدس +2GMT



يوجد الفلسطينيون إجمالاً في أجواء أو مزاج تفاؤلي ومتحفز بتوقع حدوث المصالحة أخيراً، بين "فتح" و"حماس" وخصوصا بعد ان نشأت في الأسابيع الأخيرة ما يمكن اعتباره لأول مرة أرضية مشتركة، لا للانطلاق منها من اجل الاتفاق على المصالحة، وإنما نوعاً من توازن المصالح أو الدوافع، للشروع فعلا في الإجراءات العملية لبدء وتطبيق هذه المصالحة. وان شبكة هذه الدوافع أو الضغوط مستمدة أساسا من تحديات إقليمية، ناتجة عن التحولات الأخيرة في البيئة الاستراتيجية المحيطة بكلا الطرفين. وحيث لا مفر أخيراً من العودة إلى الوحدة الالتحام السيكلوجي بعد مرحلة التفكك.
هذه لحظة فلسطينية للعودة الإجبارية الى الاحتماء بالبيت، بعد الدخول في التجربة. العودة الى بناء التحالف او الائتلاف السياسي الداخلي في ظل هذه التحولات الراديكالية، من نشوء وصراع المعسكرات. اذ في أي معسكر يمكن ان تجد "فتح" و "حماس" نفسيهما كلا على حدة؟ اذا كان معسكر "حماس" الإخواني المصري التركي القطري تلقى الضربة في ثقله المحوري داخل مصر، وإذا كانت هذه المصر بعد محمد مرسي وحتى مبارك لم تعد هي نفسها، في ظل عودة الجيش الى الحكم مجددا، وما عاد المحور التقليدي لما سمي في الحقبة الماضية بمعسكر الاعتدال العربي هو نفسه، وقد تغير هو نفسه أولوياته وتصوراته باختلاط الأوراق والتوازنات، وأهداف الصراع في المنطقة، وحيث نشهد في خلفيات هذا التحول سطوة الجيل الثاني، بعد غياب وضعف جيل الشيوخ في قيادة دفة إدارة الصراع، في دولة محورية على الأقل هي السعودية، وأُخرى يبرز صعود دورها كالإمارات العربية. فأين "فتح" وأبو مازن من هذا التحول؟ في لحظة حاسمة يتقرر فيها مصير الاستراتيجية الفلسطينية التقليدية، وحتى المشروع الوطني الفلسطيني برمته. ومن الناحية التاكتيكية العملانية ربما اقتربنا من فرصة سياسية سانحة، لإحداث تحولات راديكالية في السياق والمسار الاستراتيجي لبنية الصراع.
ان جوهر الأزمة والصراع على المنطقة في المحصلة الأخيرة هو هنا، أي القضية الفلسطينية. ونقطة او مصدر التفوق في القوة هو ايضا في الوقت نفسه، بتحصين المواقع وسد الثغرات والشقوق هنا، حيث يمكننا ان ندافع عن خيمتنا الأخيرة معا التي ما عادت في بيروت، ولكن في رام الله وغزة معا. واذا لم يكن بمقدورنا التوحد على الأرض في الجغرافيا قبل وصول قطار جون كيري السريع، فعلى الأقل نتوحد على المستوى السياسي والسيكلوجي المعنوي في إطار النظام السياسي الواحد.
فهل نتجه نحو ذلك أي هذا الاحتمال لنصاب بالوطن الموحد واحتمال الياسمين؟ والجواب المنطقي انه نعم لأنها أيضا لحظة اللاخيار، بعد ان اتضح بانه في ظل توازن كتلتين كبيرتين وازنتين يوجدان تاريخيا في حالة تنافسية، الا انهما في ظل تحد خارجي كبير لا يمكنهما الانفراد بقيادة الرتل بصورة وحدانية، لا بد أولا من اتحادهما حتى قهر العدو الخارجي، ومن ثمة يمكنهما حل التنافس التاريخي بينهما، وهكذا يجب على اليمين واليسار ان يتوحدا لحسم الصراع الرئيسي، بتأجيل التناقض او الصراع الثانوي.
على حزب الطبقة العاملة والاشتراكية التحالف مع البرجوازية الكبيرة لأجل القضاء على الإقطاعية، وبعد ذلك التحالف مع البرجوازية المتوسطة والصغيرة لأجل القضاء على البرجوازية الكبيرة. وهذا هو جوهر التاكتيك اللينيني. لكن حتى لو تجاوزنا حقيقة ان العداوة والصراع على المستوى القومي والوطني ينفي او يجمد مؤقتا العداوة او الصراع الطبقي، فإن الأزمة الفلسطينية الراهنة التي يجسدها او يمثلها الانقسام بين "فتح" و"حماس" لا تندرج فعليا في هذا السياق أي الصراع الطبقي. رغم انه في طفولة الحركة الوطنية التحررية الفلسطينية حاول جورج حبش ونايف حواتمة بسذاجة واضحة، على طريقة المثال الذي طالما أورده ماوتسي تونغ، حف القدم حتى تلائم مقاس الحذاء أي القالب، القوالب الجاهزة كما الإسقاط النمطي. بادعاء أن "فتح" تمثل البرجوازية الوطنية الكبيرة، وهذا توصيف ادعى الى الضحك والشفقة الآن.
علام اذا كان يدور الخلاف او الصراع؟ عن أي أزمة صدر الانقسام الفلسطيني الذي تفجر كاحتراب مسلح في غزة يوم 14 حزيران العام 2007 ؟ والجواب هو ما نقرأه الآن عن استدراجنا نحن الكل الجمعي والوطني الفلسطيني الى لعبة إقليمية، لعبة أمم مصغرة غذتها طموحات مجموعة من الأشخاص، للانقلاب على التقاليد الديمقراطية الفلسطينية التي كانت عاملا حاسما في الحفاظ تاريخيا على الوحدة الوطنية الفلسطينية، سواء في المنفى او داخل الوطن. وكان الهدف يتماهى مع ويصب في خدمة إدامة الشقاق داخل الصف الفلسطيني، لمصلحة إسرائيل ونظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك في مصر.
واليوم هل هي مصادفة ان عودة فلول نظام مبارك بصورة غير مباشرة مع الانقلاب على حكم محمد مرسي، يترافق مع إعادة إحياء الدور القديم لهذه المجموعة من الأشخاص انفسهم، ومحاولة نفخ الروح مجددا في هذه الأزمة لإضفاء طابع من الاستقطاب الأيدلوجي عليها ؟ بينما تحاول "حماس" هنا في غزة جديا والرئيس أبو مازن في رام الله لملمة الموضوع وإخراجنا جميعا من هذا المأزق، والطريق باتت معبدة حينما انكشفت حدود الأوهام لدينا جميعا، بالرهان على تحالفاتنا الإقليمية كبديل عن تحالفنا الوحيد وهو مع انفسنا معنا.
واني امتدح اليوم ما يحدث من تغير ملموس في الخطاب الإعلامي والسياسي لحركة "حماس"، التغير في الخطاب الذي يشير الى نضج الحركة التي تلقت هي أيضا درساً قاسياً ولكنه مفيد وإيجابي بالمحصلة، بعد الإطاحة بحكم الإخوان في مصر. من أنه هنا وبالتوافق يمكننا جميعا عبور النهر أو الجسر، وإن النجاح في قلب الأزمة الكبرى في الشرق الأوسط، أي في الحفاظ على سلامة القلب الفلسطيني وسط كل هذه العواطف والزلازل المحيطة بنا، إنما هو الشرط الوحيد لضمان الفوز والانتصار وتحاشي الفشل على حد سواء.
هيا بنا اذن نلعبها بصورة صحيحة وندهش انفسنا والعالم، والفارق اليوم ان "حماس" لا تخاطب ابو مازن في ذروة هذه المعركة التفاوضية، باتهامه كما كانت تفعل سابقا بالتفريط والانحراف. ولكنها تقول له وتوجه رسائل واضحة لإسرائيل وأميركا أننا معه نسانده، ومستعدون لحمايته في دفاعه عن مربع الخطوط الحمراء الفلسطينية، في حماية المربع الفلسطيني. أما ما تبقى فهو التفاصيل الصغيرة، الجوانب الإجرائية التي يمكن حلها، فالمصالحة سياسية أولا وتغير في الخطاب ووضوح كاف في الرؤية، وهي العوامل الثلاثة المتوفرة اليوم. وما تبقى أيضا هو الكف عن الثرثرات الفارغة في هذا الوقت، والاحتفاظ بتوازن المناعة الداخلية إزاء هذه الألاعيب الإعلامية في هذا التوقيت، التي تهدف الى تشتيت الإجماع الفلسطيني وإفساد وعيه وارباك الطرفين معا "فتح" و"حماس" فالعوامل الجاذبة والواضحة تماما في العودة المشتركة الى البيت الواحد هي أقوى من العوامل النابذة.