خبر : الشعوب العربية تدير ظهرها للإسلاميين! ...بقلم: محمد ياغي

الجمعة 14 فبراير 2014 09:28 ص / بتوقيت القدس +2GMT



توجد ظاهرة في العالم العربي تستحق أن نتوقف عندها: الإسلاميون في حالة تراجع

بعد أن اكتسح إخوان مصر والسلفيون صناديق اقتراع مجلس الشعب قبل عامين، وبعد الفوز بالرئاسة وموافقة المصريين على الدستور الذي كتبه الإخوان وحلفاؤهم، انقلب الشارع عليهمفي غضون ستة أشهر، وهو ما اعتبره الجيش فرصة للتخلص من حكم الإخوان وحظرهم كتنظيم.
في تونس شعرت النهضة بتراجع كبير في شعبيتها بعد اغتيال زعيمي المعارضة من الجبهة الشعبية، النائبين شكري بلعيد ومحمد براهمي، واضطرت للتخلي عن الحكم حتى لا تدخل في صراع مفتوح مع القوى المدنية قد ينتهي على الطريقة "المصرية".
في سورية، الصراع الدموي داخل جماعات المعارضة، وقيام تركيا مؤخراً بقصف مواقع لـ "داعش" داخل سورية، وتراجع "الغرب" عن دعم المعارضة هي مؤشرات لحالة الفشل التي وصلت إليها المعارضة "الإسلامية".
ليبيا واليمن ليسا بأفضل حالا.. التيارات الإسلامية تتقاتل فيما بينها، وتتصارع في نفس الوقت مع القوى الليبرالية على الحكم.
خلال عملية الاستقطاب الحادة التي تشهدها جميع دول العالم العربي، لا يبدو أن القوى الإسلامية تفوز بتعاطف الشارع..على النقيض من ذلك، يبدو أن القوى الليبرالية التي كانت متحالفة مع الأنظمة القديمة – وليس القوى الثورية- هي التي كسبت من تراجع النفوذ الشعبي للإسلاميين. في تونس، القوة التي استفادت من تراجع "النهضة" هي حركة نداء تونس وهي تمثل فعلياً النظام القديم في شخوصها وسياساتها. القوى الثورية في الجبهة الشعبية وهي تشكيل يضم عددا كبيرا من الأحزاب الصغيرة، كان لها "شرف" إضعاف النهضة، لكنها فعلياً لم تستفد من ذلك. وفي مصر، المؤسسة التي حظيت بالتأييد الشعبي على حساب الإخوان هي مؤسسة الجيش وليست القوى التي تصارعت مع الإخوان.
مناضلو القوى الثورية أصبحوا مثل الإخوان في المعتقلات، والقوى الليبرالية المتحالفة مع الجيش لا تجرؤ حتى على التقدم الى منافسة سباق الرئاسة.. ليس خوفاً من الجيش، ولكن لمعرفتها المسبقة بأن حظوظها في النجاح أمام وزير الدفاع تكاد تكون صفرا. وفي جنيف، اقترحت المعارضة على النظام الشراكة في الحرب ضد "المجاهدين" غير السوريين في حالة التوصل الى اتفاق انتقالي.
كيف نجح التيار الإسلامي في تعزيز مواقع الأنظمة القديمة شعبياً بعد أن أسقطت الشعوب العربية بعضها وكانت تسعى الى إسقاط ما تبقى منها؟ كيف حصلت الردة من الوقوف مع الإسلاميين في صناديق الاقتراع الى الوقوف ضدهم في الشارع وملاحقتهم الى جانب رجال الشرطة كما يحدث في مصر حتى لو كان الثمن هو عودة لنظام قديم، أو لاستمرار القديم الذي لم يسقط؟
الإسلاميون يحبون الحديث عن مؤامرة كونية ضدهم لكنهم لو تواضعوا قليلا لاكتشفوا بأن جوهر المشكلة يكمن في أنهم حاولوا أن يحكموا بعكس ما وعدوا الناس به. والأسوأ من ذلك أنهم حاولوا أن يحكموا بنفس أدوات النظام القديم. لم تر الناس فرقاً بينهم وبين القديم فأدارت ظهورها لهم.
في مصر، بعد سنة من حكم الإسلاميين لم ير الناس جديداً يسمح لهم بدعم نظام الإخوان. السياسات الاقتصادية بقيت منحازة للأغنياء كما كانت أيام مبارك.. ممارسات الشرطة القمعية بقيت على حالها..الطوارئ فرضت على بورسعيد.. وخلال حكم الرئيس مرسي، لم يتوقف القتل المجاني حيث سجلت منظمة النديم ضد التعذيب مقتل 256 مصرياً في مواجهات مع الأمن أو مع الإخوان أنفسهم.. حتى السياسات الخارجية لم يطرأ عليها تغير.. دوائر الأصدقاء والأعداء بقيت كما هي.. لا نقصد من ذلك تبرير الانقلاب العسكري على حكومة منتخبة، ولكن نحاول فقط أن نلقي الضوء على الأسباب التي جعلت الناس لا تدافع عن حكومة انتخبتها عندما حدث الانقلاب.
النهضة في تونس لم تحدث تغيرا يوازي الأمل الذي عقده الناس عليها عندما انتخبتها.. الأسعار ارتفعت، وسياسات "حرية السوق" التي أدت بمئات الآلاف للتهميش بقيت كما هي، وكل ما فعلته "النهضة" هو محاولة حماية الجماعات السلفية وإثارة جدل عقيم حول هوية لا يختلف الناس بشأنها كونهم جميعاً مسلمين خصوصاً في تونس حيث المجتمع طائفي متجانس.
إثارة "النهضة" لمسألة الهوية بلغة التحريض وتقسيم المجتمع بين مؤمنين وكفرة، شجعت أعمال قتل تعرض لها قادة المعارضة وجنود من الجيش من قبل جماعات متطرفة يقال بأنهم من مجموعة أنصار الشريعة. لكن المحصلة، أن تقيم الناس للنهضة قد اختلف. الناس لم تشعر فقط بأن تغيراً حقيقياً في حياتها قد حدث، ولكن التغير النسبي الذي طرأ على حياتهم كان أيضاً سلبياً.
في تونس الناس لم تعرف الاغتيالات السياسية إلا التي مارسها الاستعمار الفرنسي وبورقيبة في بداية ستينيات القرن الماضي ضد خصومه.. سياسات "النهضة" أعادت الى الحياة الجزء الأسوأ في تاريخهم.
لكن الأسوأ في كل التجارب والذي انعكس سلباً على مجمل التيار الإسلامي بفروعه الوسطية والمتشددة هو الذي حدث في سورية. بعد كل التعاطف الذي حصلت عليه "الثورة" فوجئ الناس بما يقوم به "الثوار". بداية لم يصدق الناس أن هنالك من يقوم بقطع رؤوس واعتبرتها جزءاً من حملة نظام دموي يستهدف تشويه سمعة الثوار..ثم بدأ الناس شيئاً فشيئاً يكتشفون أن الثوار ليسوا وحدة واحدة، وأن هنالك مئات المجموعات، وجميعها تدعي بأنها إسلامية لكن لا يوجد ما يوحدها، على الرغم من أن نهايات أسمائها تنتهي عادة بكلمة "إسلامية." واصبح معروفاً لدى الناس وللسوريين بشكل خاص أن كل مجموعة تتمكن من قرية او مدينة تفرض نظامها الضريبي ورؤيتها "الإسلامية" الخاصة على الناس حيث التفنن في تطبيق "الحدود" التي لم يشاهدها الناس منذ مئات السنين. ثم سقط القناع عندما بدأت هذه الجماعات تقتل بعضها، بداية بالاغتيالات وبعدها بمواجهات دموية لم يسلم منها أحد.
سورية كانت التجربة الأسوأ التي جعلت الناس يكرهون ثورات يقودها إسلاميون. وانعكس ذلك بالتأكيد على الحركات الإسلامية في جميع أقطار العالم العربي. الدماء ترخص عندما تكون غايتها كرامة الناس وحقوقها وحريتها.. لكن الناس لا تريد استبدال أنظمة مجرمة بأنظمة مجرمة أخرى أو أكثر إجراما منها.
الثورة هي انقلاب في السياسات الاجتماعية والاقتصادية والخارجية لصالح الفئات التي قامت بالثورة ودفعت ضريبتها.. ضريبة الدم.. لكنها بالنسبة للإسلاميين كانت انقلابا من نوع استبدال "الحزب الوطني" بـ "حزب الحرية والعدالة" أو "النهضة" بينما السياسات بقيت على حالها.. وعندما تم تغييرها كانت المحصلة سياسات "داعش" و"النصرة".