خبر : الصراع العربي الإسرائيلي.. العودة إلى الجذور ...بقلم: د. عاطف أبو سيف

الإثنين 10 فبراير 2014 08:57 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الصراع العربي الإسرائيلي.. العودة إلى الجذور ...بقلم: د. عاطف أبو سيف



لا يبدو أن حلولاً قريبة تحملها الجهود المبذولة لاحلال السلام في الشرق الأوسط، رغم الضوضاء الكبيرة التي تصاحب جهود وزير الخارجية الاميركي جون كيري، ورغم المقترحات التي يمكن لها أن تثير النقاش لكنها وتحت قشرة هذا النقاش الرقيقة تحمل بصمات إسرائيلية بامتياز.

لم يكن كيري نزيهاً رغم البلاغة الجميلة التي يتحدث فيها عن السلام، كما لم يحمل الكثير من التطلعات الفلسطينية في ثنايا مقترحاته ابعد من إشاراته لهذه التطلعات التي لا تجد طريقها في سطور خططه.
إن تعبير كيري عن الحقوق الفلسطينية هو تعبير مجازي لا تجد له تطبيقاً في الحقيقة، إنه من هذا النوع من الصورة الشعرية غير الموجودة إلا في خيال الشاعر.
إن المحزن أن الإدارة الاميركية التي تصر على أن تكون راعية للسلام تعجز أن تفهم كنه الصراع، وتظن أنه مجرد صراع على مصالح، دون أن تفهم الفرق بين حق شعب في ممارسة السيادة والاستقلال على جزء من أرض آبائه وأجداده وبين جشع مجموعة مستوطنين ورغبتهم في مواصلة احتلال ومصادرة ارض شعب آخر.
إن مقايضة الحق بالجشع هو علة الفهم الاميركي، فالتطلعات الفلسطينية المكفولة في كل المواثيق والأعراف الدولية لا يمكن مقايضتها بمزاعم وهواجس امنية إسرائيلية.
لا أحد في الكون يمكن له ان يشك بأن هذا الشعب المهضومة حقوقه شعب محب للسلام، فهو لم يقتل رئيس وزرائه لأنه وافق على السلام، بل إن النقاش الفلسطيني الداخلي على ما حمله من معارضة شديدة للكثير من مخرجات عملية السلام، اتسم بديمقراطية أكبر من تلك التي تتغنى بها إسرائيل، إذ إن الفصائل الفلسطينية – وفي طليعتها تلك المعارضة لاتفاق أوسلو- فوضت الرئيس أبو مازن ان يفاوض على ان تعرض نتائج هذه المفاوضات على الشعب للموافقة عليها.
أما في إسرائيل حيث يحكم غلاة المتدينين وحيث جنرالات الجيش يقررون وحيث مصانع السلاح تمتلك قرار الحرب والتهدئة لأنها تريد أن تجرب ما انتجته مصانعها، وحيث أحزاب صغيرة تمسك الحكومة من خصيتها، يمكن لشخص أن يطلق النار على رئيس الوزراء، كما يمكن لمجموعة من اعضاء البرلمان أن يشلوا عملية سلام كاملة.
وعليه فإن الشعب الفلسطيني الذي وجد نفسه منذ بدايات القرن الماضي عرضة لهجمة منظمة من قوى انتداب واحتلال وجماعات استيطان، لم يفعل أكثر من الدفاع عن نفسه منذ هبة البراق في عشرينيات القرن الماضي حتى اليوم.
وإن تمحصاً لصيرورة الصراع ومفاعيله يكشف أن ثمة قصورا كبيرا من جانب المجتمع الدولي وتواطؤا مؤلما لم يقد إلا للمزيد من تضييع لحقوق الشعب الفلسطيني.
فالمجتمع الدولي الذي قرر منفرداً نيابة عن الشعب الفلسطيني أن يقسم فلسطين ويمنح نصفها لمجموعة مستوطنين لا يربطهم شيء إلا المصالح، والذي قرر أن يبدأ نكبة كان يمكن لها أن لا تحدث لو لم يتدخل، يقف متفرجاً الآن على انقضاء مائة عام على تدخله السافر، لا يحرك ساكناً ولا يمنع كارثة ولا يوقف جريمة.
ثمة أسباب كثيرة تجعل من هذا المجتمع الدولي شريكاً في الحرب المرهقة التي تشن على الشعب الفلسطيني منذ قرن من الزمن، وثمة منطق كبير في قول من سيحتج بأن الظالم لا يمكن له أن يشارك في رفع المظالم، وأن المؤسسات الدولية التي شرعت ضياع فلسطين ومهدت ومن ثم شرعت قيام دولة غريبة على أنقاض المدن والبلدات والقرى الفلسطينية لا يمكن ان تقوم بدور يناقض الدور التاريخي سيئ الصيت والسمعة الذي قامت به منذ أرسلت اللجان في ثلاثينيات القرن الماضي لتمهد للطامة الكبرى التي ستقع على الشعب الفلسطيني.
ومهما حمل هذا الموقف من دقة وصوابية، إلا أن ثمة حاجة مرة أخرى لأن يعاد الصراع إلى جذوره، وان يوضع الملف على طاولة تلك المؤسسات والهيئات التي تدخلت بشكل سافر من اجل ان تساهم في تشتيت الشعب الأعزال وإحداث نكبته.
وعليه يمكن للسيد جون كيري أن يطوي الملف ويعود إلى البيت الأبيض أيضاً بالقليل من الحسرات والخيبات لأنه لو درس جيداً، ولو أنه تمحص جيداً في هذا الصراع الذي يصر المجتمع الدولي على جعله مستعصياً، ولو انه قرر وبقليل من الجرأة ان يقف على الحياد، وتبدو هذه صعبة على الاميركيين، ولو انه قرر حقاً أن يساهم في تحريك عجلة المفاوضات وليس في مجرد التفاوض، لو أنه فعل القليل ما يتطلبه أن تكون وسيطاً نزيهاً، لم يكن وصل إلى هذا.
اما نحن كفلسطينيين فيجب علينا أن نوقف العالم عند مسؤولياته، فالصراع في المنطقة ليس حكراً على الولايات المتحدة.
صحيح انها شرطي الحانة لكن نحن وحدنا من يقرر إذا كانت ستكون الشرطي الوحيد الذي يحرس الحانة.
وحين قرر الفلسطينيون قبل ذلك نجحوا في إدخال لاعبين آخرين، هل تتذكرون الرباعية الدولية، ليس هذا فحسب بل إن جل الإنجازات السياسية الكبرى التي حققها الفلسطينيون لم تتم إلا في المؤسسات الدولية سواء قرار اعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بعد خطبة ابو عمار الشهيرة في الأمم المتحدة العام 1974 وصولاً لقرار عضوية فلسطينية في الأمم المتحدة العام 2012.
القضية الوطنية الفلسطينية ليست معقدة، وليست بحاجة لأفكار خلاقة ولا معجزة لحلها؛ إنها قضية شعب يريد حريته واستقلاله وحقوقه.
تقع المسؤولية على المجتمع الدولي أن يقول لهذا الشعب كيف يمكن للاحتلال أن ينتهي وكيف يمكن لاستقلاله أن ينجز.
بالطبع فإن عشرين عاماً من المفاوضات الثنائية برعاية اميركية صرفة لم تنجح في فعل ذلك.
ولدينا الكثير مما يمكننا أن نقوله لمن سيغضب منا خاصة في واشنطن حول ذلك، كما ان لدينا الكثير من الأصدقاء الجاهزين للوقوف معنا.
كما ان ثمة أشقاء عربا عليهم أن يمتنعوا عن الوقوف متفرجين كأن القضية لا تعنيهم.
ثمة حاجة لأن يعاد الصراع إلى جذوره والعجل إلى بطن امه كما يقول المثل.