أصبحنا نعرف الآن من فيض ما يسرب من معلومات ما الذي يعرضه علينا في النسخة الجديدة من العروض الأميركية، جون كيري في اتفاقية الإطار، لكن التغير الوحيد والمثير في هذا الفصل الأخير هو أن إطلاق الرصاص الذي يسمع صداه هذه المرة وبخلاف العادة او ما هو متوقع، يتم بين الإسرائيليين والعراب الأميركي، بين التابع وولي النعمة، وحيث يظهر جون كيري في هذا المشهد النادر كما لو أنه الكاوبوي المغامر الشجاع والميدان الذي لا يأبه بكل الصعاب ويمضي مقترحاً ما كما لو أنه رسول السلام الذي قرر أن يضع حداً لهذا النزاع الممل، دون الاكتراث لصيحات الإسرائيليين الذين باتوا يرون في شخص كيري ومشروعه خطراً داهماً بدا كما لو أنهم لم يتحسبوا له من قبل، بلغتهم على حين غرة. لا يعرفون الى الآن كيف يوقفونه أو يبطلون مفعوله، حين بدا لهم لبعض الوقت وكأن الظروف لانت أمامهم ليسددوا ضربتهم الأخيرة باستكمال ما لم يحققوه في العام 1948 اي بالسيطرة على كل الضفة الغربية، وهو اعتقاد تبين لاحقاً انه لم يكن سوى خداع للنفس ومن قبيل الوهم والسراب، لأنه لا الفلسطينيون ولا العالم هم أنفسهم العام 1948، هذا ببساطة وليس له شأن بشخص جون كيري.
والواقع أننا نعرف الآن أو نتحقق من أن الغرب الأميركي الأوربي، الذي ساعد على إقامة إسرائيل، او اختراعها سيان، إنما هو وافق او أقر بوجود هذه الإسرائيل فقط في حدود العام 1948. وهذا هو جوهر السجال والخلاف معها اليوم. الذي تجاوز التعبير عنه الوسائل الدبلوماسية التقليدية الناعمة، والمهذبة في إطار التصريحات والمواقف وانتقل الى الصفحة الثانية بالإجراءات العملية والتهديد بالعقوبات والبدء عمليا التدرج بتنفيذ هذه العقوبات الاقتصادية والمسألة في بعدها التاريخي والاستراتيجي تتعلق بتغير الوظيفة والدور، لزرع واستنبات هذا العدو الغريب، كما فكر دهاقنة الامبراطورية البريطانية، منذ منتصف القرن التاسع عشر، بالمرستون وخلفاؤه، بالميزة الاستراتيجية، التي يتيحها إقامة هذا الجسم الغريب على هذا الساحل من المتوسط الذي يشكل جسراً بين قناة السويس والمستعمرات البريطانية في الهند لحماية الطريق والممر الإستراتيجي.
لقد قضي على أحلام وتطلعات محمد علي في السيطرة على بلاد الشام لهذا السبب، كما تم التفكير بإقامة هذا العازل او الجسر لهذا السبب نفسه أيضاً، لكن مع تغير هذا الدور في زمن خلافة الأميركيين للنفوذ البريطاني وازدهار هذا الدور ليبلغ ذروته بعد حرب العام 1967، زمن الحرب الباردة حيث تحولت اسرائيل الى بندقية، او حاملة طائرات ككنز استراتيجي في إخماد وقمع النزعات التحررية الراديكالية للقومية العربية، في مصر وسورية وحتى العراق، فان هذا الدور كان مقضياً عليه بالانتهاء، منذ ان استبدلت أميركا القفازات الإسرائيلية، بالتدخل العسكري المباشر في حربها ضد العراق، لإخراج صدام حسين من الكويت، وانهيار الاتحاد السوفيتي نفسه فعلياً العام 1991.
فهل كانت مصادفة انه في هذا العام القدري والمفصلي، أقدم جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر، على التلويح أمام إسحاق شامير، وإسرائيل بالعقوبات "وضمانات القروض" ودق بيكر على الطاولة وقال: هذا هو رقم هاتفي، والنتيجة انصاع شامير لتهديد القيصر وجاء الى مؤتمر مدريد راكعاً.
ثلاث محطات رئيسية يجب ان نتوقف عندها لدى تحليلنا للقرارات الاستراتيجية، التي اتخذتها الولايات المتحدة فيما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي وقفة تأملية في إمعان التفكير العميق لمساعدة أنفسنا في استنباط واتخاذ القرار والخيار الصحيح، في هذه الظروف من المشروع الذي يطرحه كيري:
١- إن المحطة الأولى هي الضغوط القاسية التي مارسها الجنرال أيزنهاور العام 1956، لإرغام بن غوريون على الانسحاب من سيناء وغزة، واللحظة التاريخية هنا، تتمثل باستراتيجية هجومية أميركية في سعي الامبراطورية لوراثة النفوذ الاستعماري القديم. وكانت أزمة السويس العام 1956، بمشاركة اسرائيل، العدوان على مصر مع بريطانيا وفرنسا، بمثابة عمل سافر ضد الأميركيين وما كان لهم سوى تلقين إسرائيل الدرس.
٢- دعوة أميركا العام 1991، لعقد مؤتمر مدريد للسلام والانخراط الأميركي المباشر في مفاوضات السلام، اللحظة هنا تتعلق بالانتصار الأميركي الحاسم على الاتحاد السوفياتي، واستقرار الظروف أمامها للتحول إلى قيادة واحدية للعالم بصورة انفرادية كقطب وحيد، وكان الرابط هنا هو إعادة الولايات المتحدة تشكيل النظام الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط، وهي العملية التي ستبلغ ذروتها في مفاوضات كامب ديفيد برعاية بيل كلينتون.
٣- إن المحطة الثالثة التي نقف عندها الآن، إنما تتمثل لحظتها التاريخية بسعي إدارة أوباما والإمبراطورية التي أنهكتها نزعتها الحربية التوسعية وتمددها إلى إعادة موضعة استراتيجيتها بما يتلاءم مع الهدف الرئيسي لها، وهو الصراع على آسيا لمواجهة تهديد الصين القوة الاقتصادية الصاعدة في القرن الواحد والعشرين، وهي لحظة يتدنى فيها فعل الدور الإسرائيلي على مستوى أهميته في خدمة المصالح الأميركية الى الحضيض او الصفر. حين يتضح بخلاف المقاربة الأميركية في الشرق الأوسط أن هدف الإستراتيجية الوحيد بات ينحصر في إغلاق وتصفية الثغرات في الخطوط الخلفية لتركيز جهد الاستراتيجية وثقلها الحاسم نحو آسيا وحتى إفريقيا لمحاصرة الصين في آسيا ومنافستها في إفريقيا.
هنا يترافق أو يتزامن هذا التحول الأخير مع مبادرتين دبلوماسيتين، قاسمهما المشترك إغلاق الملفات المفتوحة في الإقليم وهما: التصالح مع إيران، والاتفاق مع روسيا لعقد مؤتمر جنيف الثاني، وهو ما يمثل تحولاً راديكالياً في السياسات إزاء الشرق الأوسط، لكن هذا التحول يبدو مفهوماً تماماً إذا ما نظرنا إليه في سياقه التاريخي باعتباره يخدم إعادة تكييف الاستراتيجية الأميركية مع الواقع الدولي الجديد، والتحديات الاقتصادية التي تواجهها أميركا.
هل هي إذن فرصتنا الحقيقية أو الأخيرة إذا كانت هذه الاحتمالية على النقيض من ذلك لعدونا؟ وحيث لا يمكن للحقيقة ان تكون الشيء ونقيضه في نفس الوقت، وبالتالي يتوجب علينا أن نظهر القدرة والحنكة لإدارة استثمار سياسي، ناجح لها، من أجل انتزاع أو استخلاص أفضل وضع تفاوضي لنا، وما هي الخيارات المطروحة أمامنا في جميع الأحوال.
إن رجلاً يقع على عاتقه عند هذا المنعطف موازنة الأمور، تقدير الموقف واتخاذ القرار الذي سيكون صعباً في كل الأحوال وهذا الرجل هو الرئيس أبو مازن، ولكن هل لهذا السبب وتقديرهم لشخصية ابو مازن الذي لعب هو أيضاً بورقته الذكية، لشد الخناق، الطوق والحبل عليهم، فانهم يديرون منذ وقت، لعبتهم القديمة، بسحب البساط من تحت أقدام الرجل من خلال معادلات فلسطينية داخلية كما فعلوا مع عرفات، في حملة التشويه والتشكيك في السنوات التي أعقبت فشل مفاوضات كامب ديفيد لإنهائه سياسياً قبل التخلص منه جسدياً لخلق حالة من الفراغ وانعدام الوزن في مركز القيادة الفلسطينية لإفشال المحاولة التي يقوم بها الأميركيون اذا كان من شأن ذلك ان يمنحهم الوقت لتغيير المعادلات الجغرافية على الأرض في الضفة الغربية، وهو السبب الرئيسي لغضبهم من كيري وانزعاجهم لأنهم يعتقدون انه بمبادرته يقطع الطريق أو ما تبقى من إكمال هذه الطريق في تغيير المعادلة على الأرض.
وقد نلخص القصة، تلخيصاً مكثفاً وموجزاً، بأبرز الجمل والكلمات التي تم تبادلها في هذا الديالوج، كما لو أننا بإزاء مشهد شكسبيري :
موشي يعالون: مالنا وهذا الرجل يظن نفسه المسيح المخلص او المنقذ، أعطوه جائزة نوبل ودعوه يتركنا وشأننا.
الإدارة الأميركية : اعتذر وإلا !
يعالون مرة أُخرى: يعتذر
تسيبي ليفني: إذا لم توافق يا أبو مازن على يهودية الدولة ستدفع الثمن غالياً.
جون كيري هذه المرة: إذا لم توافق إسرائيل ستدفع الثمن غالياً، عقوبات وعزلة دولية، وكل الترسانة التي استخدمها المجتمع الدولي ضد جنوب إفريقيا العنصرية.
نتنياهو وشركاؤه في الحكومة : لن نتفاوض والمسدس مسلط على رأسنا، وإسرائيل لا تخيفها التهديدات.
ابو مازن لا يخفي ابتسامته: نقبل بوجود حلف الأطلسي لحفظ أمننا وأمنهم.
وفي هذه الأثناء يصدر موقف لافت من "حماس": اسمع يا أبو مازن، نحن مستعدون لحمايتك، في وجه تهديداتهم، والرسالة تصلب.
والمسألة واضحة انهم يجرون أنفسهم الى اللحظة الجنوب أفريقية، فلنسهل الأمر عليهم وهذه عملية أظن ان الرئيس أبو مازن يجيدها، فالفرصة الحقيقية لنا هي إيصالهم الى القطيعة والعزلة مع العالم، هذه هي لحظتنا.


