أظهر وزراء الخارجية العرب جبنا وضعفا جلييّن، حين استنجد بهم الرئيس محمود عباس، قبل بضعة أسابيع، لمواجهة خطة وزير الخارجية الأميركية جون كيري المتضمنة فيما يسمى اتفاق الإطار، لتمديد فترة التفاوض، وحشر العملية التفاوضية بعد ذلك في ممر إجباري، يسقط الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، المقرة دوليا، من حيث إنه يمسخ الدولة المستقلة، التي يجعل منها منزوعة السلاح، ومنقوصة من الأغوار، تتخللها مواقع الإنذار العسكرية، وربما المستوطنات، وتسقط من الحل كلا من القدس واللاجئين.
وزراء الخارجية العرب، أعادوا الكرة إلى ملعب أبو مازن، وبدلا من التأكيد على ثوابت الموقف الفلسطيني / العربي، وأقله المبادرة العربية للحل، التي تعرض التطبيع العربي مع إسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة العام 1967، أعلن ممثلو النظام العربي الذي يبدو أنه في أسوأ حالاته بعد ما حدث ويحدث في مثلث القوة العربية (العراق، سورية، ومصر)، أنهم يوافقون على أي حل يقبله الرئيس عباس !
للحظة بدا أنه لم يعد للجانب الفلسطيني من حول أو قوة، في مواجهة الضغط الأميركي، الذي يعرض ما هو أدنى بكثير من الحد الأدنى المقبول فلسطينيا، لكن الجانب الفلسطيني، سرعان ما اندفع تجاه شقيقه الأردني، حيث يعرف الجانبان، أن بيضهما معا في سلة واحدة، وأن "انهيار" الطرف الفلسطيني في هذه المواجهة السياسية، سيعني بأن حدود الأردن قد انفتحت أمام الطرف الآخر، ليفكر في تعويض الفلسطينيين على حساب الأردن، والذهاب إلى ما يسميه تاريخيا قادة اليمين الإسرائيلي والليكود، دولة فلسطينية في الأردن، من خلال تحقيق فعلي، ودون صخب أو إعلان هذه المرة، وتنفيذ فكرة الوطن البديل، من خلال جزرة ما يسمى التعويض وتوطين اللاجئين الفلسطينيين.
يدرك إذاً الأردنيون والفلسطينيون، أن الإخفاق في التوصل إلى حل عادل، من شأنه أن يقيم الدولة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية، سيعني أحد أمرين: إما الذهاب إلى مواجهة فلسطينية / إسرائيلية، ستكون أشد وطأة من سابقاتها، مواجهة لن يكون بمقدور الأردن أن يجلس بمنأى عن تأثيراتها، وهو البلد الذي تحيط به الأنواء من كل جانب، خاصة على حدوده الشمالية، والشمالية / الشرقية، وان عدم استقرار آخر على حدوده الغربية، سيعني أن النار قد أحاطت به من كل جانب، أو الدخول في مفاوضات حل، ستمس نتائجها من المعادلة الداخلية التي تحكم الأردن منذ نشأته قبل نحو تسعين سنة !
لذا فان الأردن وعلى كل المستويات يتابع تطور المفاوضات الفلسطينية / الإسرائيلية الجارية، وباهتمام بالغ، وفي جلسة خاصة للبرلمان الأردني، ناقش فيها النواب الأردنيون زيارة كيري للمنطقة، أشار الدكتور عبد الله النسور، رئيس الحكومة الأردنية إلى أن الملك عبد الله الثاني سيزور واشنطن قريبا، ليلقي خطابا في الكونغرس الأميركي سيكون في جلّه مخصصا للحديث عن الشأن الفلسطيني، حيث من الواضح أن الملك سيحاول أن يقنع النواب الأميركيين بخطورة أفكار كيري للحل.
يبدو إذاً الفلسطينيون والأردنيون مثل فريق الكرة الطائرة، في الملعب، معاً يحاولون تشكيل حائط صد لرد إرسال كيري، الذي باتت الكرة بين يديه، حتى لا تصيب الفريق العربي في مقتل، وفي الحقيقة، فإن مجرد التنسيق بين الشقيقين على هذا المستوى العالي، وتجندهما كليهما في المعركة التفاوضية، يحدث مستوى من التوازن، ذلك أن الإسرائيليين، بعد أن طغى عليهم اليمين، ولم يعودوا هم أنفسهم قبل نحو عشرين سنة، أي أيام أوسلو، غير جاهزين لحل وسط، مقبول على أحد، وحيث إن الإدارة الأميركية، تعجز كما هي دائما عن الضغط على إسرائيل، لذا لم تجد سوى الجانب الفلسطيني لممارسة الضغط عليه، لكن إشراك الأردن في هذه المواجهة التي تجري بهدوء، نظراً إلى أن العالم منشغل بما يحدث في سورية، مصر، العراق ولبنان، يعني أنه يمكن تحقيق هدف درء المخاطر، أي يمكن إفشال كيري، دون أن ينجم عن ذلك تحميل الفلسطينيين مسؤولية الفشل التفاوضي، وتلقي العقاب الأميركي / الأوروبي، ومن ثم الإسرائيلي، وإذا كان لا بد من مواجهة مشتركة مع إسرائيل، فلتكن منذ الآن، دون انتظار أن يتم الإعلان عن الاتحاد الفدرالي أو الكونفدرالي بين فلسطين والأردن.
تصاعد مستوى الموقف الأردني من خلال تصريحات وزير الخارجية ورئيس الحكومة، التي أعلنت دائما تأييدها للموقف الفلسطيني، ومن ثم رفضها لخطة الإطار، من حيث إنها تسقط حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وتصر على توطينهم حيث يقيمون، وكانت قبل ذلك أعلنت بصرامة رفضها أي تواجد عسكري أميركي أو دولي على الجانب الأردني من الأغوار، يوفر منصة إسناد حقيقية ومهمة للموقف الفلسطيني.
أما كيري والذي يبدو أنه يصر وحده على مواصلة السير على طريق لا أحد يريده، لا الفلسطينيون ولا الإسرائيليون ولا الأردنيون، وحتى البيت الأبيض يبدو أنه ليس معنيا كثيرا به، وذلك لأسباب شخصية، ربما تدور في رأس الرجل، الذي ربما كان يفكر في انتخابات الرئاسة الأميركية العام 2016، والتي بدأت مبكراً بإعلان المرشحة السابقة وسلفه في وزارة الخارجية، هيلاري كلينتون، عن دخولها السباق الرئاسي، فلم لا يفكر هو الآخر بالتنافس على ترشيح الحزب الديموقراطي الذي يضم هيلاري أيضا، وتلك فرصته الأخيرة، قبل أن يذهب إلى التقاعد السياسي وإلى إخفاقه نهائيا في دخول التاريخ الأميركي كواحد من رؤسائه!
Rajab22@hotmail.com


