ليس في نيّتي التلاعب بالكلمات طبعاً ولا أهدف إلى البحث عن عنوان مُلفت للمقال بقدر ما أنني على قناعة راسخة بأهمية التفريق بين المفهومين. وحتى تتضح المسألة يبدو أن علينا الإجابة على السؤال التالي: هل نحن أمام جملة من الأسس والمرتكزات التي ستحكم الاتفاق أم أننا أمام أسس ومرتكزات ستحكم الإطار؟.. هل نحن إطار حل أم حل للإطار؟. الفرق هنا كبير وأساسي لجهتين على الأقل:
الجهة الأولى، في أن إطار الاتفاق هو دخول مباشر في قضايا الاتفاق، وتصبح قضايا الحل النهائي هي جدول الأعمال وذلك بما لا يتجاوز "السقف" الذي حدده الاطار. وفي الجهة الثانية فإن اتفاق الاطار هو "الموافقة" على السقوف أو السقف الذي يحكم الاتفاق مستقبلاً.
وسواء في الحالة الأولى أو الثانية فإن السقف نفسه هو المسألة وهو الموضوع الجوهري.
ليس لدى الولايات المتحدة بعد مقترحات نهائية حتى نتحدث عن حلول "مقترحة" وما لديها حتى الآن هو أفكار غير نهائية وغير متبلورة بعد حول الإطار الذي سيحكم الاتفاق المنشود.
وبغض النظر عن مدى إمكانيات الاتفاق بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي (وهي إمكانيات تبدو محدودة وربما مستحيلة، أيضاً) فإن الإطار إن كان له "قيمة" فعلية فهي أساساً في قبول الأطراف به واستعدادها للموافقة على تحويله وتحوّله إلى أساس للحل على مختلف القضايا المطروحة للاتفاق.
الإطار الذي يجري الحديث عنه حتى الآن والذي ما زال في مرحلة التبلور النهائي ـ كما أسلفنا ـ لا يحمل هذا المفهوم المحدد وليس من المتوقع على الإطلاق أن يحمل هذا المفهوم أبداً.
ما تسرّب حتى الآن عن هذا الإطار يفيد بأن الولايات المتحدة باتت على قناعة راسخة بأن التقدم باتجاه بلورة اتفاق أمر مستحيل ومتعذر، وبالتالي فإن الانتقال من مرحلة "الحل الشامل" الذي كانت تنادي به الولايات المتحدة والحماس الذي كان يتحدث به وزير خارجيتها جون كيري عن هذا الحل هو بمثابة "اعتراف" رسمي ونهائي بالفشل النهائي للحل.
الولايات المتحدة اصطدمت بالموقف الإسرائيلي المتعنت في كافة قضايا الحل من نظام السيطرة والتحكم بالحدود إلى "ضم" الكتل مروراً بمواقف نتنياهو حول عدم "اقتلاع" مستوطن واحد وصولاً إلى رفض الانسحاب من القدس الشرقية والابقاء عليها "عاصمة" موحدة لإسرائيل والموقف المعروف من مسألة حق العودة. ولم تكتفِ إسرائيل بكل هذا التعنت بل وربطت ما بين أي اتفاق والاعتراف الفلسطيني المسبق بيهودية الدولة الإسرائيلية وغيرها من المطالب التي تثير "الدهشة" مثل الموازاة والمساواة ما بين تعويض الفلسطينيين وتعويض اليهود الذين هاجروا من البلدان العربية.
وبما أن الولايات المتحدة لا "تمتلك" القدرة على ممارسة ضغوط حقيقية وجادة على إسرائيل فقد اختارت (أي الولايات المتحدة) التحايل على هذا الفشل بالحديث عن الإطار.
الولايات المتحدة هنا، أيضاً، (كما يتسرّب حتى الآن) لا تلزم الطرفين بالموافقة على كل ما سيرد في هذا الإطار وتترك لهما "حرية" التحفظ على القضايا التي لا تتفق مع منظوريهما للحل.
فإذا كان الاطار غير ملزم لأحد، وإذا كان يحق لكل طرف التحفظ على قضايا الاطار فما هي القيمة الفعلية له وكيف له (أي الإطار) أن يتحول إلى حلول ناجعة للصراع على هذا القدر من الخلاف والاختلاف وعلى هذه الدرجة من الصعوبة والتباعد؟ هنا بالضبط يكمن بيت القصيد.
هنا علينا أن نمعن النظر وندقق في المواقف.
الموضوع المفصلي والذي تسعى الولايات المتحدة لتثبيته هو تحويل هذا الاطار إلى مرجعية سياسية متفق عليها .. حتى ولو أن الطرفين لديهما تحفظات معينة على بعض موضوعاتها ـ بما يعني نهاية عصر الشرعية الدولية كأساس وقاعدة للحل. من الناحية الواقعية سنكون أمام خسارة فادحة للجانب الفلسطيني ومكسب استراتيجي غير مسبوق للجانب الإسرائيلي. الجانب الفلسطيني سيكون قد خسر أمضى سلاح بقي بين يديه على مدى كامل سني الصراع وستكون إسرائيل قد ربحت معركة سياسية هائلة الأهمية والتأثير عملت من أجلها طوال نفس فترة الصراع.
والموضوع المفصلي الآخر هو أن ما يهم إسرائيل من كل "ورشة" كيري بعد استبدال المرجعية استمرار المفاوضات بدون أن يترتب عليها استحقاقات من أي نوع كان.
الإطار يوفر لها هذه الإمكانية ولا يلزمها بشيء والمفاوضات في هذه الحالة ستكون بمثابة "تسليم" فلسطيني غير مباشر باستمرار الاستيطان في ظل المفاوضات بعد أن تكون مرجعية عملية السلام قد استبدلت بأسس ومرتكزات سائلة ليس فيها من حالة الصلابة أي شيء ومرشحة فقط للتحول إلى الحالة الغازية، خصوصاً وأن الأمر مفتوح في الزمن.
أما الاستهداف الإسرائيلي المباشر سيكون بكل تأكيد العمل على تحميل الجانب الفلسطيني "مسؤولية" إفشال المفاوضات وإفشال "رغبة" المجتمع الدولي بالبحث عن حل ممكن للصراع. لتحقيق هذا الاستهداف تطرح إسرائيل مسألة يهودية الدولة الإسرائيلية لعلمها ومعرفتها وتيقنها أن الموافقة الفلسطينية على مفهوم كهذا أمر في غاية الصعوبة والتعقيد.
لكل هذه الأسباب فإن مقابل خسارات كبيرة واستراتيجية لا يوجد، على الأغلب، في جوهر هذا الإطار ما يستحق المجازفة بقبوله، وكل ما يمكن اعتباره حقاً وهدفاً فلسطينياً فيه هو مجرد أوهام قابلة للتبخر وهي حتى وإن لم تتبخّر سريعاً فهي فُتات بائس بالمقارنة مع حجم الخسارات المؤكد تحققها بمجرد الموافقة على هذا الاطار.
الاطار الوحيد الذي نقبله هو آليات ووسائل وطرق تنفيذ إنهاء الاحتلال والنص الواضح على السيادة الوطنية على الأرض المحتلة منذ العام 67 بما في ذلك القدس الشرقية وحل متفق عليه على قاعدة القرار 194 بالنسبة للاجئين وعدم التخلي عن الشرعية الدولية. أما الترتيبات "الأمنية" بما في ذلك نوعية ونسبة تبادل الأرض فلا يمكن القبول بها قبل الإقرار الإسرائيلي بالسيادة الفلسطينية وبعدم الإجحاف بأي شكل من الأشكال بهذه السيادة وبما يشمل المعابر والثروات وحرية التنقل والملاحة الجوية والبحرية والبرية على حد سواء. مشروع أن نبحث عن وسائل تحميل إسرائيل مسؤولية الإفشال وهذا هو الهامش الوحيد للمناورة الفلسطينية كما أرى.


