يعتقد كثير من الإسرائيليين أن إسرائيل دولة فوق القانون تستطيع أن تفعل ما يحلو لها من خرق وانتهاك للقانون الدولي من احتلال وقتل وقمع ومصادرة حقوق الآخرين دون أن تتعرض لأي مساءلة أو محاسبة وذلك لأنها محمية بـ"فيتو" أميركا القوة العظمى الأولى في العالم التي تذود عنها في كل المحافل الدولية، وخاصة في مجلس الأمن الدولي صاحب القرارات التي من المفروض أن تنفذ عندما تكون هناك إرادة دولية.
ولكن هذا الاعتقاد تخلخل كثيراً بعد قرار الاتحاد الأوروبي مقاطعة بضائع المستوطنات التي تنتج في الأراضي المحتلة منذ العام 1967، وبعد أن فشلت الحكومة الإسرائيلية ومعها حليفتها الولايات المتحدة في ثني أوروبا عن قرارها بحجة استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين.
ولكن الصدمة الكبرى للمجتمع والساسة في إسرائيل كانت في تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري في ميونخ قبل عدة أيام عندما ألمح لاحتمال تعرض إسرائيل لمقاطعة وعقوبات اقتصادية ستؤثر على الازدهار الاقتصادي "المؤقت" فيها.
المسكين كيري لم يقصد أن يهدد إسرائيل، فكما قالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية جين بساكي، كيري من أشد المعارضين للمقاطعة الأوروبية لإسرائيل وقد حث الاتحاد الأوروبي لتجنب مقاطعة إسرائيل مراراً وتكراراً، لكنه يريد تنبيه الإسرائيليين الى ما يمكن أن يتعرضوا له اذا فشلت المفاوضات مع الفلسطينيين. والهجوم الكاسح الذي تعرض له من قبل الأوساط اليمينية في إسرائيل يعبر عن رعب حقيقي من فكرة التعرض للمقاطعة الجارفة، ويبدو أنهم انتبهوا الآن لهذا الموضوع وبعضهم يرى في أقوال كيري محاولة للضغط على إسرائيل وإخافتها حتى تقبل بخطته.
ويبدو أن المجتمع الإسرائيلي لا ينتبه الى ما يقوله بعض الخبراء والمطلعين في إسرائيل الذين يحذرون من إهدار فرصة المفاوضات. فمجموعة رجال الأعمال والاقتصاديين المسماة "BTI " التي سبق وأن دعت للإسراع في الاتفاق مع الفلسطينيين نشرت عريضة موقعة من هذه المجموعة في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، الاثنين الماضي، "من أجل دعوة الجمهور والقيادة الإسرائيلية لاستغلال نافذة الفرص المفتوحة (أمام اسرائيل) لتوقيع تسوية مع الفلسطينيين" على اعتبار أنه "دون اتفاق لا يمكن ضمان بقاء اسرائيل دولة يهودية وديمقراطية" ودون اتفاق لن يتحمل الاسرائيليون "أعباء المعيشة". وأقرت المجموعة أن الحل بيد اسرائيل وبيد بنيامين نتنياهو تحديداً، بل ان وزير المالية يائير لابيد انضم للمحذرين عندما قال أن " فشل المفاوضات وعدم التوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين سيلحق ضرراً خطيراً بالاقتصاد الإسرائيلي"، ودافع عن كيري الذي يسعى فعلاً لمنع مقاطعة إسرائيل دولياً. وحتى وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان قال إن إسرائيل لا تستخف باحتمال تعرضها لمقاطعة ولكنها قادرة على التعاطي معها كما فعلت في الماضي، وهو، كما يظهر، يحاول تخفيف حدة خوف الإسرائيليين من فرض مقاطعة على إسرائيل.
من الطبيعي أن يشعر الإسرائيليون برعب حقيقي من فكرة المقاطعة الواسعة لإسرائيل على المستوى الدولي فيكفي أن يستمعوا الى ما قاله سفير الاتحاد الأوروبي في إسرائيل لارس اندرسون في مقابلة مع القناة الثانية الإسرائيلية، أول أمس، حيث حذر من أن إسرائيل ستعاني من العزلة الدولية وان الشركات التجارية والاقتصادية الكبرى في أوروبا ستتخذ المزيد من الإجراءات في حال فشل محادثات السلام.
و لا شك أن بعض الإسرائيليين عرفوا معنى المقاطعة الجزئية التي حصلت لبضائع المستوطنات والتي أجبرت إسرائيل على إخراج كل الشركات العاملة في المستوطنات من قائمة الجهات المستفيدة من الدعم الأوروبي في مشروع "هوريزون 2020"، حتى تحصل على الدعم الأوروبي.
سلاح المقاطعة فعال جداً وقد أثبت جدواه في حالة جنوب إفريقيا ونسبياً في الحالة الإيرانية، ولا يجب أن نستخف به، والخوف الإسرائيلي الآخذ في التزايد حياله له ما يبرره لأن ما يميز الحياة في إسرائيل هو مستوى المعيشة المرتفع والرفاهية اللذين كانا سبباً جوهرياً في قدوم أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود وغير اليهود إلى إسرائيل أكثر من أي سبب أيديولوجي أو زعم تاريخي آخر. ولهذا السبب يجب على القيادة الفلسطينية أن تضعه في سلم أولويات عملها على الجبهة الدولية بعد فشل المفاوضات وانتهائها كخيار مهم وهدف لابد من الوصول اليه، والساحة الدولية مهيأة لذلك أكثر من أي وقت في السابق. وهذا ينبغي أن يكون جزءا من استراتيجية وطنية فلسطينية للكفاح السياسي والشعبي لإنجاز المشروع الوطني وأيضاً بعيداً عن التلويح بالعنف والمظاهر التي لا تضر سوانا ولا تمس الا بفرصنا في تحقيق إنجاز سياسي على مستوى قضيتنا العادلة، ومن يتابع الشأن الإسرائيلي يدرك مدى انزعاج المؤسسة الإسرائيلية من حملات المقاطعة التي نجحت في بعض المجالات وأمامها فرص كبيرة لنجاحات أخرى.
ومقاطعة إسرائيل وعزلها دولياً لدفعها للاستجابة لاستحقاقات العملية السياسية والتوصل الى تسوية للصراع يجب أن يتضافرا مع حملة نشطة وواسعة على جبهة المجتمع الإسرائيلي لشرح أبعاد ومخاطر السياسة التي تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو على مصالح إسرائيل وعلى الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، وشرح وتوضيح المكاسب التي سيجنيها الإسرائيليون اذا ما تم التوصل الى اتفاق سلام مع الفلسطينيين وانسحبت إسرائيل من كل الأراضي العربية المحتلة في العام 1967، وفي هذا المجال من المفيد التركيز على المبادرة العربية للسلام وماذا تعني لمستقبل إسرائيل واندماجها في المنطقة بدلاً من العيش في حالة انفصال وعداء مع الواقع المحيط. ويجب ألا يستهين أحد بأهمية العمل على جبهة الرأي العام الإسرائيلي ليس فقط في فضح أكاذيب حكومة نتنياهو وإنما أيضاً في توعية الجمهور هناك بما يترتب على الموقف الإسرائيلي سلباً وإيجاباً.


