حدث بالغ الأهمية والتأثير يكاد يغيب عن الصفحات الأولى في وسائل الإعلام، حدث له من الدلالات الكثير حول متغيرات في الخارطة السياسية في المنطقة، فللمرة الأولى يلتقي ممثلو الجانبين، الإيراني والإسرائيلي في اطار قاعة اجتماعات واحدة من دون أن ينسحب أي منهما عندما يبدأ الآخر بالحديث، للمرة الأولى يتقابل الطرفان أثناء جلسات مؤتمر الأمن في "ميونيخ" قبل أيام، لكن ليس هنا فقط يكمن الحدث ذو الدلالة، بل في مضمون ما نتج عنه، خاصة فيما يتبادل الطرفان، غزلاً غير مباشر، فلأول مرة وخلافاً لكل المواقف الإيرانية الرسمية السابقة، أشار وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إلى إبادة "الشعب اليهودي" خلال الحرب العالمية الثانية، معرفاً إياها، بتراجيدية وحشية، وانه يجب منع تكرار هذه المأساة "الهلوكوست"!!
وزير الحرب الإسرائيلي موشي يعالون، كان حاضراً في هذه القاعة وأشار من جانبه إلى انه "هناك فرصة تاريخية للتوصل الى اتفاقية بين ايران والمجتمع الدولي بشأن البرنامج النووي" اسرائيل كما هو معروف انتقدت وتحفظت بعد أن رفضت الاتفاق بين ايران والدول الست بشأن البرنامج النووي الايراني، ويعتبر تصريح يعالون هذا، استجابة لمتطلبات أولية للمصالحة بين الدولة العبرية وايران.
دلالة هذا الحدث في توقيته، إذ ان اسرائيل باتت تعاني من عزلة سياسية واقتصادية هي الاولى من نوعها منذ قيامها عام 1948، كانت هناك في الأعوام الخوالي، مقاطعة عربية لإسرائيل، كانت مرفوضة من معظم الدول الكبرى، أما الآن، فهناك مقاطعة جادة وحاسمة ومتزايدة من قبل هذه الدول التي كانت تنتقد المقاطعة العربية، أما دلالة "التقارب" الايراني الإسرائيلي فتعود إلى أن هذا الأمر يحدث في الوقت الذي تقاطع فيه المجتمعات الدولية الدولة العنصرية الاستيطانية، بينما تعود طهران عن مواقفها المعروفة والتقليدية لصالح هذا التقارب في هذا الوقت بالذات.
الصخب المتزايد داخل حكومة نتنياهو بفضل التصريحات الأخيرة الصادرة عن الاتحاد الأوروبي المتوافقة مع تصريحات وزير الخارجية الأميركي الذي يرعى العملية التفاوضية على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يكاد ـ هذا الصخب ـ يهدد حكومة نتنياهو بالانهيار، وإذا كانت هذه الحكومة، كان من الممكن أن تنهار بسبب إقدام نتنياهو على توقيع اتفاق اطار محتمل مع الفلسطينيين، فالأرجح في ظل التصريحات الأميركية ـ الأوروبية، أن تنهار، كون حكومة نتنياهو "لم" توقع على مثل هذا الاتفاق المحتمل!!
إسرائيل في عزلة، ليس من قبل خصومها، بل من قبل أصدقائها وحلفائها الاستراتيجيين، هذا هو الوضع الحالي الذي بات حديث الساعة في إسرائيل على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والشعبية ايضاً.. التهديد بمزيد من العزلة الدولية للدولة العبرية، رغم أنه يتخذ أشكالاً اقتصادية في الغالب، ومن قبل منظمات المجتمع المدني في أوروبا وأميركا، إلاّ أن أبعاده السياسية هي جوهر هذه المقاطعة والعزلة، اذ ان هذه الخطوات، مع انها لا تزال في البداية وغير كافية، إلاّ انها تشير إلى أن المجتمع الدولي بات مقتنعاً وموقناً، ان من يهدد السلام في المنطقة، وان من يضع العقبات أمام التوصل إلى نهاية سلمية جدية لمفاوضات السلام، هي اسرائيل وحكومة نتنياهو، والاجراءات ضد المستوطنات والمستوطنين ما هي الا التعبير الأوضح عن مثل هذه القناعة وهذا اليقين، وان المجتمع الدولي لم يعد قادراً على تحمل السياسة الإسرائيلية إزاء العملية التفاوضية، خاصة في سياق العملية الاستيطانية.
في السابق كانت حكومة إسرائيل، تدعي أن القيادة الفلسطينية تحاول نزع الشرعية عنها، هذه الأيام، هذه التهمة موجهة إلى المجتمع الدولي، الأوروبي والأميركي على وجه الخصوص، إذ ان التهديد بالعزلة واستمرار المقاطعة هي الشكل الأرقى لنزع الشرعية عن دولة الاستيطان والخروج عن القانون الدولي، والصخب المتزايد داخل أروقة حكومة نتنياهو، ما هو الا رد فعل على ما تشهده الساحة الدولية من نقمة حقيقية، واحباط مستمر من السياسة الإسرائيلية، الأمر الذي زاد من تفاعلات الوضع الداخلي في اسرائيل، حيث ارتفعت اصوات المستويات السياسية والاقتصادية بضرورة ان تتبنى حكومة نتنياهو خطاً وموقفاً يحول دون مظاهر المقاطعة والعزلة، بالترافق مع تراشق بالاتهامات حول السياسة المتبعة حالياً، خاصة على ضوء أن إسرائيل على وشك أن تفقد أصدقاءها التقليديين، فإلى متى يمكن أن تصمد حكومة نتنياهو أمام هذا المد المتزايد على الصعيد الدولي، والصخب المشاغب في سياق أوضاعها الداخلية؟!
Hanihabib272@hotmail.com – www.hanihabib.net


