انفض مؤتمر "جنيف 2"، دون أن تنجم عنه أي نتائج تذكر، بما يؤكد مجدداً فشل الديبلوماسية الأميركية بقيادة وزير خارجيتها جون كيري عن تحقيق أي إنجاز، بعد مرور اكثر من عام على توليه مسؤولية إدارة السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وقد كان واضحا، أن الروس، ومنذ عدة أشهر يحققون مكاسب صريحة فيما يتعلق بإدارة الملف السوري على حساب الموقف الأميركي، الذي اضطر للتراجع أيضا فيما يخص الملف الإيراني، بما أدخل جون كيري بالتحديد في متاهة لا نهاية لها، خاصة أن اندفاع الإدارة الأميركية تجاه طهران، منذ عقد اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر أيلول الماضي، قد نجم عنه خلاف شديد مع تل أبيب، ما جعل واشنطن مضطرة للتنازل لحليفتها المشاكسة ـ إسرائيل، فيما يتعلق بملف التفاوض الفلسطيني/ الإسرائيلي.
وقد أتضح أن جولات كيري ومبعوثيه للمنطقة، تكاد تعني أن التفاوض إنما يجري بين الأميركيين والإسرائيليين، وبعد أن نجح كيري بشكل جزئي في إطلاق المفاوضات بين الجانبين برعايته، حتى جنح الراعي الأميركي إلى الانحياز للجانب الإسرائيلي، أولا فيما يخص أولوية التفاوض، بين بندي الأمن والحدود، ثم فيما يخص المطلب التعجيزي الإسرائيلي، والمتضمن اعتراف الجانب الفلسطيني بما يسمى بيهودية دولة إسرائيل.
وحيث إنه بات واضحا وفي وقت مبكر بأن فترة التسعة أشهر المتفق عليها، لن تكون كافية حتى يتم التوصل إلى حل نهائي، فقد انشغل الراعي الأميركي بما اطلق عليه باتفاق الإطار، أي البرنامج أو الجدول الذي يمدد أولاً فترة التفاوض ثم يحدد مجرى وإطار التفاوض من أجل التوصل إلى حل، ويتضمن كذلك بنود الحل، والعناوين العامة وكذلك الجدول الزمني.
وبعد أن قيل إن التوصل لاتفاق الإطار سيكون مع تكثيف المباحثات بوصول طواقم التفاوض الأميركية إلى المنطقة منذ منتصف كانون الثاني/ يناير الماضي، لإعلان اتفاق الإطار في نهايته، بدأ الحديث عن ذلك في وقت لاحق، ربما في شهر آذار أو نيسان القادمين، وربما اقنع السيد كيري نفسه، بانشغاله بأولوية الذهاب إلى جنيف، على متابعة الملف الفلسطيني / الإسرائيلي، لعله في جنيف يحصل على مكسب ما، يغير من صورته كرجل فاشل، سبق له وان ترشح لرئاسة الولايات المتحدة، عن الحزب الديمقراطي، وفشل في مواجهة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في ولايته الثانية، وبعد أن حقق الإنجاز الأهم وهو استقلال جنوب السودان، انفتحت أمامه أبواب الخارجية الأميركية، لكن حتى هذا الإنجاز ـ ولسوء حظ الرجل ـ يتعثر الآن، بعد اندلاع الحرب الأهلية بين أطراف الحكم في دولة جنوب السودان.
الفشل، إذاً، يدفع الرجل، الذي يتسم بالهدوء، والعمل في صمت، إلى أن يظهر ما ليس من طبيعته، وبهدف إجبار الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، على قبول أفكاره ـ هو حتى اللحظة، لم يقدم أفكاره النهائية، ولم يقدم أي مقترح مكتوب، يتعلق بخطة اتفاق الإطار ـ سارع إلى إطلاق النار في كل الاتجاهات وعلى طريقة "الكاوبوي" الأميركية المعروفة، وقد كان حادا حين هدد الرئيس محمود عباس بالاغتيال، حيث حذر من أن يلقى الرئيس أبو مازن مصير الرئيس أبو عمار.
مشكلة كيري ومعظم السياسيين الأميركيين، انهم ينتسبون إلى ثقافة لم تقدم للعالم سوى هوليوود والهامبورغر وثقافة الكاوبوي، التي تؤمن باللحظة فقط، ولو كان الأمر غير ذلك، لكان الرجل أتعظ ممن سبقه، وما دخل إلى عش الدبابير وهو غير جاهز أو غير قادر على "فرض" حل ممكن، والمهم انه لا يعلم أن مصير عرفات، تمناه الراحل العظيم ويتمناه كل فلسطيني، أي أن يقضي شهيدا على طريق القدس، وهذا المصير يتمناه أبو مازن ولا يخشاه بالتأكيد.
ولو كان الرجل قد قرأ، فقط تاريخ العملية التفاوضية منذ مدريد، وكيف اضطر سلفه جيمس بيكر إلى المجيء ثماني جولات، مع تهديد جورج بوش الأب بقطع مليارات القروض الأميركية المقدمة لإسرائيل، من أجل أن يقنع اسحق شامير بقبول وجود أفراد فلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن الوفد الأردني/ الفلسطيني المشترك، وان الرعاية الأميركية برمتها، ما كان بمقدورها أن تقود الطرفين إلى حل دون إرادتهما، وقد ثبت ذلك في مباحثات واشنطن بعد مدريد، وان توصل الطرفين بمعزل عن واشنطن في أوسلو إلى اتفاق إعلان المبادئ، هو الذي فتح الباب للرعاية الأميركية اللاحقة.
ولأن الطرفين غير قادرين على التوصل لاتفاق، فإن ولايتين للرئيس السابق بيل كلينتون، وولايتين لجورج بوش الابن وولاية خامسة لباراك أوباما تسبق هذه الولاية التي تولى فيها كيري وزارة الخارجية، قد فشلت كلها في الوصول بالطرفين إلى اتفاق للحل النهائي.
لا يكفي بنظرنا أن يحذر كيري إسرائيل ـ حتى يظهر كوسيط متوازن ـ من العزلة الدولية، وهي تعرف ذلك أكثر منه، ولكن عليه أن ينطلق في طرحه للحل من الموقف الدولي ومن اتفاق إطلاق المفاوضات نفسها، أي كيفية إنهاء الاحتلال، وحتى العودة للاتفاقات بين الجانبين والتفاهمات منذ أوسلو وحتى أيهود أولمرت، ويخطئ كيري والأميركيون والإسرائيليون حين يظنون أن طاقة الفلسطينيين قد نفدت، وما ينتظر الإسرائيليين، في حال فشل المفاوضات، أو في حال فرض اتفاق مجحف، ليس عزلة دولية ناجمة عن المقاطعة الأوروبية لبضائع المستوطنات، ولا انتفاضة ثالثة تشبه سابقتيها، بل مواجهة متعددة الأشكال وشاملة لكل الشعب الفلسطيني وربما لشعوب عربية أيضا، وها هي عين حجلة تقاوم مخرز كيري، بكل جرأة وشجاعة، تعلن عن الخيار الأفضل لشعب يريد حريته، إن لم يكن بالتي هي أحسن فبالتي هي أسوأ!.
Rajab22@hotmail.com
رجب ابو سرية


