في كتابه القيّم "الرواية العربية وتأويل التاريخ: نظرية الرواية والرواية العربية" يناقش فيصل دراج فن الرواية، سواء بصفته العالمية، أو العربية من منظور كتابة التاريخ.
بالنسبة لدراج كتابة الرواية هي كتابة التاريخ. أوروبيا تزامن صعود فن الرواية في القرن التاسع عشر مع صعود علم التاريخ، وفي حين أن هذا الآخر يحاول أن يقدم سردية تدعي الموضوعية، والكتابة تبعا لقوانين علمية صارمة، في ما تعاني رغما عنها من انحيازات المكان والظرف والانتماء، فإن الرواية كتبت التاريخ من دون قواعد ومن دون أولويات. ربما كانت عبقرية الفن الروائي، كما هي عبقرية العمل الابداعي أيا كان، تكمن أصلاً في لا موضوعيته، في ذاتيته، تمرده، وعدم خضوعه لما هو سائد.
بهذا المعنى فإن كتابة الرواية تحديداً هي كتابة ذاتية مأزومة لحاضر تفصيلي وهوامش يتعالى عليها علم التاريخ أساساً.
يقول دراج عن الرواية العربية على وجه الخصوص: "كتبت الرواية العربية التاريخ المعاصر الذي لم يكتبه المؤرخون، متطلعة إلى تاريخ سوي محتمل، وحالمة بمدن تعطي الرواية قراءة مجتمعية. يقوم الروائي بتصحيح ما جاء به المؤرخ وبذكر ما امتنع عن قوله، مؤكداً (كون) الكتابة الروائية "علم التاريخ" الوحيد، أو كتابة موضوعية تسائل ما جرى، دون حذف أو إضافة" (ص ٦).
يوفر لنا هذا المنظور مدخلا ملائما لمناقشة موضوع المواجهة الكبرى التي تطلقها النصوص الروائية العربية ضد التابوهات التقليدية الاجتماعية والدينية والجنسية وتفرعاتها التي لا تنتهي.
هنا نحن أمام عدة خطابات تحاول السيطرة على الفضاء العام للمجتمعات وتقدم تاريخها الخاص بها: هناك الخطاب الرسمي الذي يتبجح دوما بالإنجازات العظيمة وبكون شؤون الناس والبلاد على خير ما يُرام.
وهناك الخطاب المجتمعي الذي وإن كان ناقدا على حياء لإخفاقات السلطة، فإنه متواطئ معها في الدفاع عن الوضع القائم خاصة الجانب التقليدي الساكن منه، المحافظ بشراسة على الموروث كما هو، مقدسا إياه، ومحاربا في سبيله كل جديد.
وهناك خطابات الحركات الاحتجاجية إسلاموية كانت أم حداثية، الأولى تريد إعادة إنتاج الموروث بأشكال جديدة لكن مع الإبقاء على سمته الطاغية والأبوية، والثانية تريد استنبات حداثة من الغرب أُنهكت وانتهكت في منتصف الطريق، فأصبحت رثة وهامشية، باهتة التأثير.
سجالات تلك الخطابات مواجهاتية، صدامية، اعتذارية، تبريرية، ولكنها في الجوهر والمنتهى سياسية وإيديولوجية.
على هامش تلك السجالات وصخبها، بعيداً عنها وفي قلبها في الآن ذاته، ينمو خطاب روائي يؤرخ للحاضر بطريقته الخاصة.
من أهم ثيماته التي تبلورت كتحصيل حاصل كشف المستور ونقض خطاب "أن كل شيء على خير ما يُرام".
العمل الروائي العربي هو "النيغاتيف" للصورة البراقة التي يصطنعها الخطاب الرسمي ثم يؤرخها.
وهو "النيغاتيف" للصورة الاعتذارية المثالية التي يقدمها الخطاب الديني على رافعة أننا خير أمة أخرجت للناس.
وهو "النيغاتيف" للصورة الخادعة التي يقدمها الخطاب المجتمعي زاعما وجود مجتمعات متكافلة، قائمة على العائلة المتماسكة، والأخلاق، والسمو عن الآخرين.
وهو "النيغاتيف" للصورة التبشيرية التي يقدمها أصحاب الخطاب الحداثي في الوقت الذي يقدمون فيه نماذج منفرة، حداثتها وليبراليتها سطحية.
هنا بالضبط تكمن عبقرية التحدي في الرواية العربية: تحدي الخطابات السائدة وكشف زيفها وإعلاء الحس النقدي في المجتمع، ومطاردة أصحاب الادعاءات السلطوية أيا ما كانت، سياسية، أم اجتماعية، أم دينية.
ومنذ أن دخل فن الرواية الأدب العربي الحديث والنص الروائي العربي منخرط في منازلة تاريخية مع تلك الادعاءات وسلطاتها أو تابوهاتها التقليدية الثلاثة: السياسة، والدين، والجنس.
في كل واحد من المجتمعات العربية من دون استثناء لا تتحكم هذه التابوهات وحسب في رقاب الأفراد وتقمع تطلعاتهم وانطلاقهم، بل تتحول وتتمأسس في شكل عمليات رقابية وتسلطية بيد نخب تستغل الخطوط الحمر وتراكم مصالح خاصة بها مدعية الدفاع عن المجتمع والمحافظة عليه.
يتحالف السياسي مع رجل الدين مع شرطي الآداب في تخليق وضع اجتماعي مشوه وتشويهي يقف في وجه عجلة التاريخ ويطارد الأفراد وأرواحهم ويكبت كل إشراقة إبداع فيهم.
النداء غير المنطوق في النصوص الروائية العربية على مدار سنوات طويلة ماضية هو نداء الحرية والانعتاق.
إنه النداء الوحيد الذي يستحق أن نقف وراءه جميعا ويستحق الظفر بكل الدعم وكل الشرعيات.
والحرية هنا لا تقتصر على الحرية السياسية وحسب، بل تتعداها إلى الحرية الاجتماعية والدينية والجنسية وأن يكون الفرد لا غيره هو المسيطر على ذاته.
لا يعني ذلك قصر معيار الحكم على جودة أي نص روائي أو أدبي على "الموضوع/المضمون" حتى لو كان في رفعة نداء الحرية والانعتاق.
فالنوع الأدبي في المبتدأ والمنتهى يجب أن يُحاكم من منظور إبداعي وأدبي، ويجب أن يتقولب المضمون وموضوعه في الشكل الابداعي المعني شعرا كان أم مسرحا، أم رسما، أم رواية.
فالشكل والصنعة الأدبية في نهاية المطاف هي التي تعطي العمل المكتوب هويته الابداعية وتحميه من الوقوع في مباشرة الخطابية والوعظية الفجة. من دون الشكل واللغة والحذق الأدبي والتصويري والمناورة في التركيب والتقديم والتأخير والحبكة السردية النصية تتحول الرواية أو النص الأدبي إلى مقالة اجتماعية أو سياسية نقدية جافة لا روح فيها.
لكن السؤال الذي يواجهنا هنا هو الآتي: ما التجديد إذن في النصوص الروائية الجديدة إن كانت تحوم في معظمها في مساحة الثالوث المحرماتي: السياسة والجنس والدين، وأليست بوقوعها الاختياري في أسر هذا الثالوث تحكم على نفسها بالرتابة والتكرار وملل الكاتب والمكتوب؟ الجديد فيها هو الشكل والقالب الذي يتم قولبة الموضوع فيه وتقديمه بشكل جذاب وكأنه لم يُعالج من قبل، وهو ما نراه منعكسا في الكثير من الروايات العربية في السنوات الأخيرة.
الجديد والمدهش إيجابيا خلال تأمل قوائم الروايات تلك، خاصة الناجحة والمبدعة منها، هو السمة اللانهائية لتوالد الإبداع والسرديات والأشكال حتى ضمن ذلك الثالوث، وإن لم تكن كل الأعمال محصورة بين أضلاعه بطبيعة الحال.
مقارعة التابوهات الثلاثة المذكورة ليست أمرا جديدا في حقل الرواية العربية، بل ربما جاز القول إن تحدي هذه التابوهات والمناورة ضدها، والالتفاف حولها، والتسلل إلى قلاعها، وتفكيكها، وفضحها كانت هي البيئة الطبيعية التي منحت الرواية العربية اوكسجين الحياة.
منذ رواية "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي ومساءلتها لثنائيات العلم والأسطورة، الشرق والغرب، التمسك الخرافي بالتقليد مقابل الانطلاق المطلق نحو العصر، ووصولا إلى روايات علي المقري ونبيلة الزبير في اليمن مثل "حرمة" و"زوج حذاء لعائشة"، مرورا بكل النتاج الثري لنوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وأحلام مستغانمي، وعلاء الأسواني، والحبيب السالمي، وواسيني الأعرج، ومئات غيرهم، ومن دون نسيان درة تاج الرواية العربية المتمثلة بأعمال نجيب محفوظ الذي حُوكمت "أولاد حارته" بعد أن صدرت بسنين طويلة ـ على مدار تلك المسيرة وكتابها والتابوهات تلك تمنح السرد العربي الروائي شرعية الحياة، وفي الوقت نفسه تمنح نفسها، أي تلك التابوهات، عمراً أطول، مع الأسى والأسف، وصلابة أشد رغم حنق وغضب الناقمين عليها.
khaled.hroub@yahoo.com


