لم تغب المقاومة الشعبية عن أجندة العمل اليومي الفلسطيني المقاوم لسياسات الاحتلال منذ العقود الثلاثة الأولى للقرن الماضي حين وقف الشعب الفلسطيني صفاً واحداً في وجه قوات الانتداب البريطاني الساعية لوهب فلسطين للمهاجرين اليهود الذين سرقوا الأرض وطردوا سكانها بعد ذلك.
واستمر حضور المقاومة الشعبية في الوعي الشعبي الفلسطيني طوال فترات النضال التحرري بأشكال مختلفة.
وبالطبع كانت صورتها الأبهى خلال الانتفاضة الأولى حين صار الحجر الفلسطيني اكثر فتكاً بإسرائيل من صواريخ العرب، وحين صار منشور يوزع في أزقة المدن والمخيمات ودروب القرى أشد وقعاً من خطابة الإذاعات والتلفاز.
إن هذا جوهر ما قال عنه الراحل إدوارد سعيد "قوة الضحية" التي تستطيع ان تنزع الجلاد من كل وسائل قوته، وتكسب الضحية قوة أخرى هي قوة الاخلاق وقوة الحق.
ولأن الأشياء لا تأتي من تلقاء نفسها فإن ثمة حاجة لتطوير مقولات سياسية قادرة على تحفيز ذاكرة الشعوب حول مفاهيم الحق ومفاهيم الاستلاب والاستحواذ، ورسم "براديمات" في سياقات محلية تستدعي تلك الذاكرة في عقول شعوب الأرض حول الحق الضعيف الذي يناهض الباطل القوي.
في ذلك يمكن للصورة أن تنعكس ويصير القوى ضعيفاً والضعيف قوياً. من هنا خلقت الانتفاضة صحوة في الضمير العالمي وصارت صورة الفلسطيني الذي يرشق الجندي بحجر أيقونة تستدعي استحضار كل الثورات في العالم، ونجحت في استقطاب الكثير من التأييد والدعم للنضال الفلسطيني.
لقد جسدت نشاطات المقاومة الشعبية خلال السنوات الماضية المناهضة للجدار علامة فارقة في تطوير أدوات النضال اليومي الفلسطيني خاصة انها صارت جزءاً من روتين العلاقة بين المحتل بسلاحه وجنوده وبين الشعب الأعزل والقرويين المهددة أراضيهم بالمصادرة والابتلاع وبيوتهم بالتدمير من قبل بلدوزرات الجيش.
ولمعت حالات جذبت لها الأنظار وتجارب صارت جزءاً من التراث الكفاحي الفلسطيني مثل بلعين ونعلين وبقية قرى الجدار التي استطاعت أن تقلق مشاريع إسرائيل في ابتلاع الأرض.
إن مثل هذه النماذج قدمت الخطوة الأولى في طريق طويل يجب العمل على تطويره وتثويره حتى يرتقي لحالة كفاح واشتباك مع الاحتلال في كل مفاصل الحياة وتفاصيلها.
كما أنها صارت جزءاً أصيلاً من أدبيات تنظيم كبير مثل فتح خاصة بعد شملها في مخرجات المؤتمر السادس للحركة.
على أية حال، فإن الحاجة للمقاومة الشعبية كأداة فعل سياسي وكفاحي واشتباكي مع قوات الاحتلال لن تنتفي ما لم تتحقق تطلعات شعبنا في الاستقلال الذي لن يتحقق دون أن ينتهي الاحتلال بالكامل.
وعليه فإننا مطالبون بالعمل على تطوير أدوات المقاومة الشعبية توسيعها بما يكفل مقدرة النضال اليومي الفلسطيني على الوقوف بحزم أمام سياسات الجيش الإسرائيلي سواء كان ذلك من خلال الاشتباك معه او من خلال فضحها وتعريتها.
وهذا التطوير بحاجة لتفعيل الكثير من اوجه المقاومة الشعبية والسلمية التي لم يتم استخدامها من قبل.
وتراث المقاومة الشعبية وإرثها الفكري والعملي يزخر بعشرات الادوات التي من شأن استخدامها ان يقض مضاجع المشروع الاستيطاني ويقلقه ويجعل رحيله محتماً.
وعليه يجب عدم قصر هذه الادوات على الاحتجاج الأسبوعي والوقفات القصيرة بل يجب الانتقال وفق نماذج مرسومة إلى حالات يصير فيها الاشتباك مع الجنود على الحواجز والدوريات التي تنفذ مهمات مصادرة بحق الأراضي محتوماً حتى يتم وقف هذه الحملات.
وربما محاصرة المستوطنات والبؤر الاستيطانية بجمهور غفير من المواطنين المدنيين وفق ما يعرف بعمليات الجلوس، آخذين بعين الاعتبار أن المقاومة الشعبية لا تعني عدم وجود عنف من قبل الاحتلال، فالاحتلال الذي يستشعر بأن مثل هذه الأفعال تهدد وجوده اكثر من استخدام بعض السلاح سيعمل على مهاجمتها واستخدام درجات عالية من العنف لفضها. وعليه فإن ما هو سلمي سيتحول بفعل وحشية الاحتلال إلى فعل خشن ويصحبه الكثير من الدماء.
إن حالة الاشتباك هذه يجب أن تقوم إلى ذلك على مبدأ المبادأة بمعنى أن لا تكون مجرد ردات فعل فقط بل يجب أن تنطلق من مفهوم واسع كجزء من استراتيجية مقاومة شعبية فلسطينية شاملة، يرتكز على الهجوم للاشتباك الشعبي مع قوات الاحتلال ومع مجموعات المستوطنين.
إن هذا الاشتباك وحده يعطل الخطط قبل أن تولد، اما الاكتفاء بانتظار ماذا سيفعل الاحتلال فسيقيد النتائج المرجوة من حالات الاشتباك مع الفعل الاستيطاني.
وشهدت السنة الاخيرة نماذج ناجحة في ذلك مثل قرية باب الشمس والكرامة واخيراً عين حجلة.
لكن المطلوب هو جعل المقاومة الشعبية فعل اشتباك يوميا مع الاحتلال وليست مجرد نماذج متفرقة.
وتشمل مثل هذه الاستراتيجية وضع تصورات واولويات لتصعيد النضال اليومي ووضع خطاب إعلامي محلي وخارجي لتسليط الضوء عليها.
مرة اخرى فإن ثمة حاجة للشعوب المحتلة دائماً أن تعبر عن حقيقة أنها تحت الاحتلال، وأنه دون هذا التعبير فإن خطاب القوة والاستحواذ الذي يصدر عن قوة الاحتلال سيعكس صورة مخالفة يصير فيها الضحية جلاداً والجلاد ضحية كما دأبت الصحافة الإسرائيلية وحلفاؤها على تصوير إسرائيل.
إن تطوير هذا الخطاب الوطني وتفعيله خارجياً يستدعي تثوير الكثير من الجهد في المؤسسة الرسمية والحزبية الفلسطينية والعربية حتى يصار إلى صوغ خطاب متكامل وموحد وقادر على كسب التعاطف.
وفي هذا فإن ثمة حاجة لصوغ دبلوماسية فلسطينية عامة خارج نسق الدبلوماسية الرسمية.
يبدو أن كيري إذا فشل في فرض ما يريد لأنه قرر أن يقف في الضفة الخاطئة من النهر، سيقرع جرس السعادة لإسرائيل، لكن يبقى أن الحفاظ على هذا الحق الذي لا نملك أن نتركه واجباً، وحتى لا يظل أبو مازن وحيداً في مواجه الطوفان والوحيد الذي يحمل السلم بالعرض في ظل الصمت العربي المريب فإن ثمة حاجة لتفعيل حالات الاحتجاج والاشتباك بما يضمن القول إن ثمة الف طريقة لقول لا، وان الشعب الذي نجح في الافلات من تروس ماكينة الإبادة التي نصبتها له الصهيونية لن يعوز طريقة في مواجهة الاحتلال.


