مئات من النشطاء الفلسطينيين تجمعوا بالقرب من ثكنة عسكرية إسرائيلية قديمة في غور الأردن، يحملون أعلام فلسطين ويجمعون بقايا جذوع النخيل، في تظاهرة حاشدة لإثبات ما ليس بحاجة إلى إثبات، أن غور الأردن على الجانب الفلسطيني هو جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، ويأتي هذا النشاط في الوقت الذي تبحث فيه ما يسمى بـ "الرباعية الدولية" كيفية دعم "خطة كيري" فيما يسمى باتفاق الاطار بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، إذ ان جوهر هذه الخطة، كما تم تسريبه، توافق حول مستقبل غور الأردن، حيث تم تسريب العديد من المشاريع التي انطوت عليها خطة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الدعم الدولي المحتمل لهذه الخطة، بادر النشطاء في غور الأردن بالرد عليها، دعماً للموقف الرسمي الفلسطيني الرافض لوجود أية قوات إسرائيلية في هذه المنطقة، في ظل أي اتفاق محتمل، وبإمكان الجانب الفلسطيني استثمار هذه التظاهرة للرد على الضغوط الأميركية الهادفة إلى التأثير على الموقف الرسمي الفلسطيني، باعتبار أن أي اتفاق محتمل في ظل الوجود العسكري الإسرائيلي، مهما كانت تبريراته، بالإيجار أو بعدم التدخل، مرفوض شعبياً وغير مقبول وغير ممكن حتى لو أراد الجانب الرسمي الفلسطيني ذلك.
ومع أن هناك اتفاقاً بين الأطراف الثلاثة، فلسطين وإسرائيل والولايات المتحدة، على أن المفاوضات سرية، إلاّ أن العديد من التسريبات ـ المتعمدة في الغالب ـ يتم نشرها سواء في وسائل الإعلام الأميركية أو الإسرائيلية، في حين أن الجانب الفلسطيني ما زال يشير إلى أنه لم يتسلم أي مبادرة أو خطة أو مشروع، بشكل رسمي، مع أن بعض المسؤولين الفلسطينيين يعلقون بين وقت وآخر على هذه التسريبات، ما يشير إلى أن هذه الخطة قد تم تداولها أثناء اجتماعات جون كيري مع الرئيس أبو مازن، وإن كانت عبر النقاشات وليس بالضرورة من خلال أوراق رسمية.
وآخر ما تم تسريبه، يتعلق بالتعويضات، وقيل إن اجتماع ميونيخ الذي على هامشه بدأت اللجنة الرباعية الدولية اجتماعاتها أمس، سيبحث بشأن ما تناولته خطة كيري حول تعويض العائلات اليهودية التي "اجبرت" على ترك البلاد العربية بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948، بغية تحفيز المزيد من الإسرائيليين على دعم قيام دولة فلسطينية وفقاً لخطة كيري، علماً أن إسرائيل طالبت قبل عامين تقريباً الدول العربية بدفع 300 مليار دولار كتعويضات لليهود العرب، حسب ادعاء ما يسمى بإدارة أملاك الدولة التابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية والتي أشارت إلى أن هناك 850 ألف يهودي يستحقون هذه التعويضات!
لم تطرح هذه المسألة بشكل جدي، وكجزء من خطة كيري، إلاّ في الأيام القليلة الماضية، وضمن تسريبات عن المبعوث الأميركي لعملية السلام مارتن انديك في حديث هاتفي مع رؤساء الجالية اليهودية في الولايات المتحدة، وهي تسريبات بالغة الأهمية والخطورة، خاصة أن انديك لم ينف مضمون ما تم تسريبه، خاصة فيما يتعلق باعتراف فلسطين بدولة إسرائيل كدولة يهودية بينما تعترف اسرائيل بدولة فلسطين على حدود 1967 بعد تبادل للأراضي، علماً أن فلسطين كانت قد اعترفت بدولة إسرائيل وفقاً لاتفاق أوسلو، بينما اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1994، والأمر ليس بحاجة إلى اعتراف جديد، إلاّ إذا كان ذلك سبباً لإفشال العملية التفاوضية.
خطورة ما تم تسريبه فيما لم تأت عليه هذه التسريبات، مستقبل مدينة القدس تحديداً، فالوثيقة المسربة عبر الهاتف، اكتفت بذكر "مبادئ عامة وطموحات الطرفين بشأنها" ما يشير إلى أن خطة كيري ما تزال تقف عند العديد من الملفات، وفي طليعتها مستقبل مدينة القدس، وبينما تدعو الوثيقة إلى أن الدولة الفلسطينية ستقام على الأراضي المحتلة عام 1967، مع تبادل للاراضي، فإنه من المعروف ضمناً وصراحة، ان القدس الشرقية هي من تلك الأراضي المحتلة، واصرار اسرائيل على أن القدس الموحدة هي عاصمة دولتها، من شأنه بالتأكيد أن يهدد عملية السلام التفاوضية بالفشل، مع أن بعض التسريبات غير الموثوقة، لكن المحتملة، كطرح إسرائيلي، تشير إلى أن العاصمة الفلسطينية ستكون في منطقة "أبو ديس" وليس القدس الشرقية بكاملها.
ولا بد في هذا السياق إلى إشارة بالغة الوضوح والأهمية، أدلى بها وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أمس السبت في كلمته أمام مؤتمر الأمن في ميونيخ، الإشارة المتعلقة بوهم الأمن الإسرائيلي، فقد هدد كيري، بأن هذا الوهم سيتبدد إذا لم تنجح مساعيه لإحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وستواجه إسرائيل مخاطر أمنية أكثر بكثير مما هو عليه الآن، مشيراً إلى اتساع ظاهرة التطرف والعنف في المنطقة.
إذن، هناك رشوة باسم التعويضات من ناحية، وهناك تهديد ذو طبيعة أمنية، عاملان ربما يحاول وزير الخارجية الأميركي تذكير القيادة الإسرائيلية بهما، رشوة وأمن محتمل بعيداً عن الأوهام، للضغط النسبي على إسرائيلي التي ما تزال تعرقل جهوده نحو التوصل إلى اتفاق سلام.. فهل تستجيب حكومة نتنياهو؟!
Hanihabib272@hotmail.com
www.hanihabib.net


