خبر : عن موسم الهجرة إلى قطر ...بقلم: آصف قزموز

السبت 01 فبراير 2014 04:02 م / بتوقيت القدس +2GMT



في بلد شحيح الموارد، مفكك الأوصال والاستقرار، ضعيف النمو الاقتصادي، يرزح تحت نير آخر الاحتلالات في العالم، وترتفع فيه نسب البطالة لتبلغ ما يقارب 25% وهي من أعلى النسب، قياساً مع البلدان المجاورة والمشابهة. اليوم نحن نتحدث عن ما يقارب 250 ألف عاطل عن العمل في بلادنا، في ظل اقتصاد لا تتجاوز قدراته توليد 5000 فرصة عمل سنوياً، علماً أنه يدخل الى سوق العمل في كل عام حوالي 45 ألف طالب عمل جديد، وهذا عبء كبير جداً إذا ما لحظنا أن معدلات النمو السكاني تعتبر هي أيضاً من أعلى النسب في العالم، ويعتبر المجتمع الفلسطيني مجتمعا فتيا تغلب عليه السمة الشبابية، ما جعل معدلات البطالة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات تصل لأكثر من 43%، وهذا رقم مرعب وخطير يشكل كابوساً دائماً للاقتصاد الفلسطيني، الأمر الذي يصعب مهمة القيادة السياسية التي ما زالت تقود مرحلتي التحرر الوطني والبناء المؤسسي والديمقراطي جنباً الى جنب في ذات الوقت والظروف. لأجل كل هذا وغيره دأبت السلطة الوطنية وحكوماتها منذ قيامها العام 1994 وحتى يومنا هذا، على بذل كل جهد مستطاع لإيجاد فرص العمل الكافية ومواجهة تحديات الفقر والبطالة أيضاً في آنٍ معاً. ولعمري إن مناشدة الأشقاء العرب لا سيما دول الخليج العربي والمشغل الأكبر لتسهيل دخول الفلسطينيين لأسواق العمل العربية، باتت هي اللازمة على لسان كل مسؤول فلسطيني من قمة الهرم حت أخمص القاعدة، لأننا نؤمن إيماناً راسخاً بأهمية تأمين سبل الحياة الكريمة والعادلة لشعبنا، ولأن استقرارنا واستقلالنا وأمننا وأماننا لا يمكن أن يتأتى ولا صمود شعبنا من دون أمن واستقرار حياة المواطن أولاً، لا بل ولا سلام ولا استقرار سياسيا من دون توفر السلم والأمن الاقتصادي والاجتماعي، الذي سيشكل نواة وركيزة العملية السلمية والدولة الفلسطينية.
من هنا جاءت استجابة دولة قطر الشقيقة نتيجة لهذا الجهد التراكمي المناشد، لرفع الحظر عن تأشيرات العمل للفلسطينيين والسماح لهم في الحصول عليها إذا ما استطاعوا لفرصة عملٍ سبيلا، وهو بيت القصيد وجديد الأمر في موضوع السماح بتشغيل العمالة الفلسطينية في قطر. نعم أعلنت قطر عن استعدادها لاستقدام عشرين ألف فلسطيني للعمل على أراضيها، لكن ذلك في مطلق الأحوال سيخضع لقانون العرض والطلب كما في كل بلد من البلدان المشغلة للعمالة، وبالتالي فإن احتياجات السوق القطرية الحقيقية، هي التي ستحدد كم سيكون عدد فرص العمل المتاحة وما هي طبيعتها، فلربما تصل لسقف الرقم المطروح في زمنٍ قد يقصر أو يطول وربما تقل أو تزيد، هذا ما ستنطق به سوق العمل القطرية في المستقبل القادم وعلى المدى الطويل.
لكن غريب الأمر في بلادنا أن لغطاً كبيراً يدور هذه الأيام، حول هذا الموضوع الانجاز، الوطني بامتياز كما أسلفنا، فتارةً تجد من يشككون في القيادة الفلسطينية التي سعت لهذا الأمر، فيعتبرون في تشغيل العمالة الفلسطينية في قطر مؤامرة على الشعب الفلسطيني لتهجيره من أرضه، مع أن العمالة الفلسطينية طول عمرها بتعمل في جميع الأسواق العربية بحرية وإرادة كاملة وعين الله عليها، وتارةً يربطون ذلك بطلب اسرائيلي أميركي من قطر لتقوم بهذه المهمة عبر هذا الإجراء. يعني شو عدا ما بدا!! طيب اتحيرنا يا قرعة من وين نبوسِك، فتجد ذات الجهات والأطراف المعهودة مستمرة على الدوام بالعزف على ربابة انتقاد السلطة والقيادة الفلسطينية على أنها مقصرة تجاه الشعب على أنها لم تؤمن لهم فرص العمل الكافية، وتارةً يسلخون جلد الأشقاء العرب على أنهم لم يقدموا يد العون لشعبنا، فإن فتحنا لهم أبواب العمل التي تفرج كربتهم وتخفف من فقرهم نتهم بالتآمر بهدف التهجير، وإن لم نفعل ذلك نتهم بالتقصير في دعم صمود الشعب وتأمين احتياجاته. طب شو نعمل قولولنا دخيل عرضكم، حقاً إنها قصة جحا وولده والحمارْ، في جميع الأحوال مذموم وغير مقبول شو ما جرى وشو ما صارْ!! وأقول لكل هؤلاء المشككين بالفم المليان إنها لقمة عيش الناس أولاً وقبل كل شيء وذات الأولوية القصوى في حساباتنا بعيداً عن حساباتهم في التخوين والتآمر والتشكيك، وبعدين مين اللي قال إنو من حقنا أن نطالب الآخرين الوقوف الى جانبنا بمنطق المثل القائل" بدُّو قُرْصِ مْقَرَّص من ذَقن مْعَرَّصْ"؟!
أعود وأقول لكل الذين سيتقدمون للاستفادة من هذه الفرصة المتاحة، ومن منطلق إيماننا وقناعتنا الراسخة، بأن واجبنا أن نقول لهم ما يجب أن يقال ويعرفوه وليس ما يحبون أن يقال ويسمعوا. فالإخوة القطريين أرادوا لنا أن نستفيد من إمكانات التشغيل في بلادهم، ولا سيما بشكلٍ خاص من فرصة عزمهم على بناء الملاعب والمنشآت الرياضية اللازمة لاستضافة كأس العالم في العام 2022، الأمر الذي يعني أن من سيحظون بالفرص الأكبر ربما يكونوا الفنيين والمهرة من عمال ومهندسين وتقنيين مع أن الباب مفتوح على كل المهن والخيارات الأخرى دون استثناء. وبالتالي ستدخل العمالة الفلسطينية للسوق القطرية لتنافس على الفرص المعروضة والمتوقعة، مع مناشدتنا للمشغلين هناك من فلسطينيين وقطريين وعرب بأن يساعدوا على استقدام العمالة الفلسطينية وإعطائها أفضلية، وهو ما بذلت في سبيله سفارتنا هناك جهوداً مضنية وهامة على مختلف الصُّعد والمستويات الرسمية وغير الرسمية.
نعم سنضع كل البيانات بين يدي المشغلين وهم الذين سيقومون بدورهم باختيار الأشخاص المناسبين لهم وفقاً لقانون العرض والطلب في أي سوق حر، مع أهمية الأخذ بعين الاعتبار أن مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" هو الناظم والمنظم لعلاقة العامل بصاحب العمل، ولكن كل هذا سيكون خاضعا للقوانين والنظم القطرية المرعية هناك، ناهيك أن المعايير القطرية وأنظمتها وإجراءاتها في التعامل مع العمالة سيكون احترامها واجبا وملزما للجميع مثلنا مثل باقي العمالة من البلدان الأخرى، اللهم إلاَّ إذا تعرض أي مواطن لأية عقبات أو إشكاليات خارجة عن إطار ذلك، فبالتأكيد ستقدم سفارتنا هناك كل الدعم والرعاية بالطرق الرسمية والأصول المرعية كباقي السفارات الأخرى تجاه مواطنيها وأكثر.
إذن المسألة التي يجب أن تؤخذ بالحسبان من قبل جميع المتوجهين للسوق القطرية، أن بانتظارهم منافسة قوية مع العمالة الآسيوية الرخيصة التي تعج بها قطر، ما سيجعل الأجور المنتظرة في كثير من القطاعات التشغيلية دون سقف التطلعات والتوقعات، آخذين بالاعتبار كذلك ما أشرنا اليه آنفاً من أن الحاجة الحقيقية لليد العاملة ستتركز غالباً في الجوانب والمهن الفنية والتقنية ارتباطاً مع شروع دولة قطر في التحضير وإقامة المنشآت الرياضية والملاعب اللازمة لاستقبال كأس العالم الذي سيقام على أرضها في العام 2022.
يا جماعة ما حصل بكل الأحوال لا يمكن إلا أن نعتبره جهدا مشكورا وإنجازا لمصلحة المواطن الفلسطيني في الداخل والشتات، بصرف النظر عن نسبة ومساحة الفائدة التي ستعمم على فئات مختلفة من العمالة الفلسطينية، فالرئاسة والحكومة راكما جهداً متميزاً على غير مستوى، والسفارة الفلسطينية لم تأل جهداً في تواصلها مع القيادة والأشقاء القطريين حتى خرج مثل هذا القرار الى النور، وها هي وزارة العمل تعمل كخلية نحل في تنظيم وجمع البيانات على نظام معلومات سوق العمل، الذي قامت بدورها بالعمل على تكييفه مع متطلبات العمل في قطر، واستحدثت مواقع وبرامج اليكترونية تسهل على المواطن عمليات التسجيل والدخول للنظام لجميع الفلسطينيين اينما كانوا، ناهيك عن الدور الكبير الذي تلعبه مكاتب مديريات العمل في المحافظات الفلسطينية عامة لاستقبال المراجعين وتعبئة وتحديث البيانات الخاصة بالراغبين في العمل. لكن هذا الأمر ما زال في طور الإعداد والتحضير من قبل الإخوة القطريين لاستكمال الجوانب الفنية الخاصة بهم، حيث جرى التواصل من قبل السفارة الفلسطينية مع شركات القطاع الخاص القطرية لا سيما تلك التي يديرها فلسطينيون، وذلك لحصر احتياجاتهم من الوظائف للعام الحالي، لإعلامنا بها ليصار قريباً الى ربط هذه الشركات والمشغلين اليكترونياً مع نظام معلومات سوق العمل الفلسطيني، لمطابقتها مع احتياجاتهم من العمالة. هذا بالإضافة لما ستقوم به وتتحمله من أعباء ومسؤوليات في تسهيل مهام العاملين واستصدار تأشيرات العمل اللازمة لهم عند التعاقد مع المشغلين.
لكن مع كل هذا أعود وأقول، لكل المشككين الذين ينبرون دوماً لإطلاق التهم جزافاً وكيفما اتفق لتشويش الحقائق، وتصوير الأمر على أنه مؤامرة من قبل القيادة على شعبها لتهجيره وتفريغ الأرض، متجاهلين أن اليد العاملة هي الذهب الفلسطيني وأهم مورد في بلادنا، وأن أحداً ولا قانوناً منع فلسطينيا يوماً من السفر الى خارج البلاد وحتى في زمن الاحتلال. أما آن الأوان للإقلاع عن تفسير كل الأشياء والمواقف بنظرية المؤامرة، طالما أن أحداً لن يلزم أو يُكره أحداً أن يغادر الى قطر أو لغيرها، وكل ما هنالك أن العمل اختياري لمن يجد فرصةً له وشروط التعاقد والاتفاق ثنائية حرة ما بين المشغل والمشتغل، ويبقى العقد شريعة المتعاقدين.
وفي كل الأحوال المثل بيقول: "حْمارتَك العَرْجَا تِغنيك عن سؤال اللئيمْ".
asefqazmouz@gmail.com