لماذا تبدو تجربة حركة النهضة التونسية نحو الانتقال الديمقراطي ناجحة مقارنةً بتجربة الإخوان المسلمين الدامية في مصر؟ هل يعود السبب إلى أن كلا الحركتين لهما فهم مختلف للإسلام ولدوره في الحياة العامة؟ هل هي مركزية مصر في العالم العربي الذي جعل الصراع فيها وعليها حاداً بينما هامشية تونس الجيوسياسية هي التي مكنتها من السير بخطى ثابته أكثر في طريق الانتقال الديمقراطي؟ هل يعود السبب الى مركزية دور الجيش في مصر وثانويته في تونس؟ أم أن السبب يرجع الى أن القوى الليبرالية التونسية أكثر استعداداً للتعاون مع الإسلاميين بينما الليبراليون المصريون أقل تسامحاً مع الإخوان؟
قد تبدو جميع هذه الأسباب ممكنة وقادرة على تفسير ظاهرة القدرة على التعايش بين الليبراليين والإسلاميين في تونس، وعدم تمكنهم من القيام بذلك في مصر. لكن الحقيقة أبعد من ذلك.
من المؤكد أن حركة النهضة التي تبنت "فقه المقاصد" في تفسيرها للقرآن والسنة النبوية مختلفة في ذلك الى حد ما عن حركة الإخوان التي تمسكت بقوة "النص" على حساب المعنى الكامن خلفه، وهو ما أعطى "النهضة" حرية أكبر في حركتها باتجاه محاولة الحصول على توافق مع القوى الليبرالية على طريقة الحكم والدستور. لكن من يدرس فكر النهضة يعلم بأن سقف "فقه المقاصد" مقتصر على تلك الآيات والأحاديث التي تحمل أكثر من معنى والتي يمكن تأويلها. أما النصوص القطعية والمتعلقة تحديداً بـ "الحدود" فإن "النهضة" ملتزمة بها حين تتوفر القدرة على تطبيقها- هذا ما يقوله موقعها الإلكتروني على الأقل، لهذا لا يوجد فرق كبير بين "النهضة" و"الإخوان" في مسألة المرونة الأيديولوجية.
أغلبنا قد يتذكر بأن الرئيس مرسي قد اجتمع مع الفنانين المصريين جميعهم.. وأن المغنية والممثلة دولي شاهين حضرت احتفالاً تحت رعاية وزير السياحة الإخواني.. والإخوان فاوضوا ووافقوا على الحصول على قرض (ربوي) من صندوق النقد الدولي، وأعطوا الجيش في دستورهم وفي علاقتهم معه أكثر مما طلبه منهم. المشكلة إذاً ليست في مرونة "النهضة" التي جعلت تونس تتقدم للأمام بينما تشدد الإخوان جعل مصر تتراجع الى الوراء.
كذلك الأمر بالنسبة للموقع الجيوسياسي لمصر وتونس. الذين يقولون بهامشية تونس كجغرافيا وسياسة مقارنة بمصر، يتناسون أن وزيرة خارجية فرنسا كانت قد طلبت من البرلمان الفرنسي الموافقة على إرسال أسلحة وقوات لحماية نظام بن علي. أميركا لم تقف مع مبارك عندما قرر المصريون رفضهم له واضطرت للوقوف على الحياد.. ليس هذا فقط.. أميركا بحسب رئيس أركان الجيش المصري في ذلك الوقت، سامي عنان، قد طالبت صراحة بعدم تدخل الجيش ضد المتظاهرين.
ثم إن الإخوان قد وافقوا على كل سياسات النظام القديم من "كامب ديفيد" الى إبقاء معبر غزة مغلقاً الى إبقاء العلاقات مع إيران مقطوعة.. فلماذا تعمل أميركا والغرب عموما على إسقاطهم؟. البعض مسكون بعقدة المؤامرة لكن الحقيقة أن سياسات الدول تحددها مصالحها، وإخوان مصر بذلوا أقصى ما يستطيعون لإرضاء أميركا حتى لا تقف في خندق أعدائهم، وقد نجحوا في ذلك.
أما ما يتعلق بالجيش ودوره فإن الحقيقة الثابتة هي أن الجيشين قد انحازا للمتظاهرين يومي 14 كانون الثاني في تونس، و11 شباط في مصر. للبعض قد يكون ذلك مؤامرة وانقلاباً، لكن من درس الثورتين يعلم بأن أجهزة البوليس في كلا البلدين انهارت ولم تعد هناك مؤسسة قادرة على حماية النظام غير الجيش.. وفي كلا الحالتين اختار الجيش أن لا يدخل صراعاً مع شعبه قد يؤدي الى تمزيق وحدته وانهياره. لم تكن هنالك مؤامرة، ولم يتصرف الجيش بحسن نية أيضاً وبسبب حبه لشعبه، ولكن بسبب حسابات دقيقة أهمها أن لا يدخل في صراع ضد شعب ثائر قد تكون نتائجه كارثية على الجيش نفسه.
الحال نفسه بالنسبة لليبراليين.. في كلا البلدين أثار التيار الإسلامي والليبرالي مسألة الهوية، واعتبراها جوهر صراع المرحلة، علماً بان الشعبين التونسي والمصري لم يثورا بسبب "مشكلة الهوية" ، فلا يهم الفقراء الذين تمكنوا من إسقاط نظامين فاسدين صراع الليبراليين والإسلاميين على مسألة لم يفكرا فيها أصلاً عندما ضحوا بأرواحهم من أجل العدالة والكرامة.
في كلا البلدين استخدم الإسلاميون سلاح " المسلم في مواجهة الكافر" واستخدم الليبراليون سلاح "الحداثي في مواجهة الظلامي." الليبراليون في مصر لم يكونوا أسوأ من الليبراليين في تونس، وفي البلدين تم استخدام الإعلام ضد الإسلاميين.. والإسلاميون لم يقصروا بدورهم عن استخدام المساجد وصحفهم وإعلامهم الخاص في مهاجمة الليبراليين. مقولة أن ليبرالي مصر أسوأ من ليبرالي تونس لا تصمد أمام الحقائق.
إذا كانت المسألة لا علاقة لها بالجيوسياسي ولا بطريقة تفسير "النهضة" و"الإخوان" للقرآن والسنة النبوية، ولا علاقة أيضاً لها بموقف الجيش وبطريقة تصدي القوى الليبرالية للإسلاميين في البلدين، لماذا إذاً نجحت تونس الى حد ما في الانتقال الديمقراطي وفشلت مصر؟
دراستي للبلدين تقول بأن "النهضة " واجهت خصماً ليبرالياً قويا وقوى سلفية متطرفة وضعيفة. كان عليها إما ان تختار التنازل للقوى الليبرالية ومعاداة القوى السلفية أو كسب ود السلفيين على حساب القوى الليبرالية. لأن القوى الأخيرة قوية ومتجذرة في المجتمع التونسي، لم يكن بالإمكان عدم التنازل لهم في القضايا المتعلقة بالحكم والدستور. وقد ساعدهم على ذلك سلوك بعض الحركات السلفية مثل "أنصار الشريعة" التي اغتالت نائبين من القوى الأكثر ثورية في المجتمع التونسي وكان على "النهضة" إما معاداة "أنصار الشريعة" علناً وإما القبول باتهامها بالتواطؤ معها. "النهضة" اختارت طريق معاداة "أنصار الشريعة" والحلول الوسط مع القوى الليبرالية لأن الخيار الآخر لا يمكنها من الاستمرار في الحكم.
في مصر، حركة الإخوان المسلمين واجهت تنظيمات سلفية قوية ومنظمة وقوى ليبرالية ضعيفة ومتشرذمة. في الصراع على من يمثل الإسلام اكثر، الإخوان أم القوى السلفية الأخرى، اختار الإخوان التشدد حتى لا يخسروا قواعدهم لحساب القوى السلفية المنافسة، ولم يكترثوا بالقوى الليبرالية لأنها في تقديرهم، وهي كذلك، قوى ضعيفة. ساعدهم على المضي في هذا الانحياز اطمئنانهم أنهم قدموا للقوى القوية والمنظمة (الجيش والشرطة) كل ما طلبوه. لذلك لم يشعروا بالحاجة لتقديم تنازلات للقوى الليبرالية. المفاجأة كانت بالنسبة للإخوان في تحالف الليبراليين (نظام قديم وثوار) في حملة منظمة ضد "الإخوان" تم تتويجها بالتظاهرات الحاشدة يوم 30 يونيو والتي استخدمها الجيش للعودة بقوة للمشهد السياسي بعد أن كانت القوى الثورية قد أخرجته من المشهد السياسي بعشرات الضحايا.
المسألة إذاً ليست في الفارق بين النهضة والإخوان، ولكن في العوامل الضاغطة على الطرفين تحديداً: قوة القوى الليبرالية والسلفية في البلدين والتي بنت على أساسها حركتا "الإخوان" و"النهضة" سياساتهما. "النهضة" تنازلت مكرهة للقوى الليبرالية.. الإخوان تنازلوا مكرهين للقوى السلفية. "النهضة" وقفت ضد السلفية لأنهم الحلقة الأضعف.. الإخوان وقفوا ضد الليبراليين لأنهم الخصم الأسهل.. "النهضة" نجحت لأنها تنازلت للخصم الأقوى في المجتمع التونسي.. الإخوان خسروا لأنهم تنازلوا لحلفائهم الأقوياء ولم يتنازلوا لخصومهم الأضعف. الضعفاء تحولوا لأقوياء بحلف غير مقدس ضد الإخوان وكان ما كان.


