تحدثت قبل أيام، مواقع إسرائيلية، عما تسميه تسريبات عن مصادر أميركية وإسرائيلية عليمة، بأن بنيامين نتنياهو مستعد للذهاب نحو تسوية سياسية تاريخية، تشمل الاستعداد "للتنازل" عن معظم مساحة الضفة الغربية ضمن شروط، بأن يحدث هذا خلال فترة طويلة بحيث لا يضطر لإخلاء مستوطنات، حيث يتعهد بألا يقوم بإخلاء عشرات آلاف المستوطنين خلال ولايته كرئيس حكومة في إسرائيل. فما "التنازل" الذي يقترحه نتنياهو؟
باختصار التسوية التاريخية التي يتحدث عنها نتنياهو تشمل الحديث عن إقامة دولة فلسطينية في مساحة مساوية لمساحة الأراضي التي احتلتها إسرائيل في العام 1967، وإجراء تبادل للأراضي، ولكن دون تحديد نسبة ودون تحديد سقف زمني، وهذا يتم في إطار عدم إخلاء أية مستوطنة، حيث يريد نتنياهو ضم الغالبية الساحقة من المستوطنات إلى إسرائيل، والمستوطنات البعيدة يمكن استئجارها لعقود قادمة، باختصار يريد إبقاء الواقع الاستيطاني، كما هو، بل سيكون الحال أسوأ مع استمرار وجود المستوطنات وتوسيعها بكثافة باتفاق مع الجانب الفلسطيني.
ويريد الجدار وما خلف الجدار وكل شيء يحلو في عينيه. المهم ألا يسجل التاريخ أن نتنياهو انسحب من الغور والحدود والمعابر وأخلى مستوطنة حتى لو كانت في أقصى الشرق وبعيدة جداً عن الحدود، ولا يقطنها سوى بضعة مستوطنين. وهذا وعد نتنياهو للمستوطنين وحرصه على بقائهم. والغريب أن نتنياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان يجاهران بفكرة استبدال مواطنين إسرائيليين بمواطنين إسرائيليين آخرين، ولكن الفرق أن الذين يراد إخراجهم من إسرائيل هم عرب، والذين يريدون ضمهم هم يهود، ولا يوجد في الواقع أكثر عنصرية من هذا التبادل الديمغرافي الذي يهدف إلى التخلص من مواطنين في سبيل الحصول على الأرض ودول أكثر نقاءً عرقياً. ومع ذلك يتهمون الرئيس أبو مازن بأنه لا سامي لأنه لا يقبل بوجود إسرائيليين في فلسطين، وهو لم يقل كلمة واحدة عن عدم قبوله باليهود كمواطنين فلسطينيين.
ويطالب نتنياهو بالسيطرة على غور الأردن لفترة طويلة، تتجاوز بكثير ما يمكن أن يوافق عليه الفلسطينيون، ولا يتم تحديد زمن أو ضمانات للانسحاب بعد ذلك، حيث المعيار الوحيد الذي ستقرر إسرائيل بموجبه الانسحاب من عدمه هو الأداء الفلسطيني وليس واضحاً أي أداء ومقابل من ومن الذي سيحكم، بعبارة أخرى البقاء في غور الأردن للأبد. وهذا في الواقع ما يفسر غضب وزير الأمن الإسرائيلي موشي يعالون على وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الذي وصفه بسخرية بصفة المهدي المنتظر والاستحواذي، وقال: إن "الشيء الوحيد الذي ينقذنا هو أن يفوز كيري بجائزة نوبل ويريحنا"، بل وتمادى بالاستهتار بخطة كيري الأمنية بوصفها أنها لا تساوي الورقة التي كتبت عليها.
وانفلات يعالون هذا من عقاله، إنما يعكس الرفض التام لفكرة الوجود العسكري المؤقت في غور الأردن، ورقابة إسرائيل غير المرئية على المعابر الحدودية مع الأردن. وفوق هذا كله تريد إسرائيل الاحتفاظ بمحطات إنذار ومواقع عسكرية فوق الجبال، ومعنى هذا البقاء العسكري بكل تفاصيله في كل مكان في الضفة الغربية. ويزيدون الطين بلة برغبتهم في تنفيذ اجتياحات لمناطق الدولة الفلسطينية تحت شعار الحق في المطاردة الساخنة في فلسطين.
وتسوية نتنياهو التاريخية تقوم كذلك على استبعاد أي حديث أو ذكر لمسألة القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية، وجاءت العبقرية الأميركية التي تحاول محاكاة عبقرية نتنياهو بفكرة الحديث عن تطلع الشعب الفلسطيني لعاصمة في القدس دون تحديد ماهية القدس التي يتحدثون عنها، وبالتأكيد ليست القدس الشرقية، بل بعض أحياء منها ربما الأحياء الواقعة خارج الجدار أو غيرها، مع استبعاد تام للبلدة القديمة والحرم القدسي. وحتى هذا الذكر الغامض وغير المفهوم للقدس يرفضه نتنياهو. كما تنهي التسوية التاريخية هذه مسألة اللاجئين الفلسطينيين التي تشكل لب الصراع برفض عودة ولو لاجئ واحد إلى إسرائيل، ورفض حتى فكرة العودة الرمزية التي تحدثت عنها معايير كلينتون الشهيرة.
وكل ما يقبل أو لا يقبل نتنياهو يبقى تحت تهديد اليمين، وحتى أعضاء حزبه ينذرونه بالوقوف ضده وإحباط أي انحراف نحو اليسار قد يقدم عليه، كما يقول نائب وزير الدفاع داني دانون، الذي يأمل أن يعارض نتنياهو فكرة العودة إلى حدود 1967 وطرح موضوع القدس للتفاوض.
وإذا أردنا تلخيص الحل الذي يوافق عليه نتنياهو، فالواقع الحالي أفضل بكثير، فنحن تحت احتلال ولكننا نتمتع بشروط أفضل من الدولة التي يريدها لنا، أو على الأقل شبيهة بها. عدا عن أن قضيتنا بدون تسوية نتنياهو تبقى حية دولياً، وتشتد عزلة إسرائيل، وعملية رفض احتلالها وسياساتها تجاه المناطق المحتلة على كل المستويات على غرار الموقف الأوروبي، الذي صدم إسرائيل ولا يزال يحظى بردود فعل هستيرية في بعض الأحيان كالهجوم على الموقف الأميركي الذي لا يزال منحازاً بصورة كبيرة لصالح إسرائيل، والموقف الأوروبي الذي عبرت عنه مؤخراً خمس دول أوروبية، هي: إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا التي قامت باستدعاء سفراء إسرائيل لديها للاحتجاج بشدة على خطط البناء الاستيطاني التي أعلنت عنها حكومة إسرائيل في الفترة الأخيرة، والذي تبدى بصورة واضحة في انتقاد نتنياهو وليبرمان للموقف الأوروبي ووصفه بالنفاق وأحادية الجانب.
وكما يقول عضو الكنيست نحمان شاي: "حكومة نتنياهو أعلنت الحرب على العالم بأسره". هذا قبل أن يتطور الموقف الدولي ويصبح ضاغطاً بصورة حقيقية. ولا شك في أن حكومة نتنياهو مصابة بجنون العظمة، والشعور بأن إسرائيل هي التي يجب أن تحكم العالم وتقرر خطواته: كيف يتصرف تجاه إيران وسورية والقضية الفلسطينية وكل ما يتعلق بمصالحها كما تراها هي.
إسرائيل بحاجة إلى صدمات أخرى تجعل القيادات فيها تفيق على واقع الاحتلال البغيض المرفوض دولياً، والذي ينبغي أن ينتهي فوراً. وعلى القيادة الفلسطينية أن تفكر منذ الآن في الوضع الذي يلي فشل كيري شبه المحتم والخروج بإستراتيجية عمل سياسية في الحلبة الدولية، بالإضافة لمواجهة مخططات الاستيطان وفلتان وفجور المستوطنين على الأرض لزيادة عزلة حكومة إسرائيل وإيصالها إلى مستوى التعرض لضغوط دولية ومحلية هائلة، تجعلها تعيد النظر في موقفها من العملية السياسية.


