خلافاً لمعظم التوقعات، فإن ما شهده النقاش أثناء جلسات المصادقة على مشروع الدستور التونسي الجديد، كان حول نظام الحكم وكيفية المراقبة الدستورية على القوانين وإنشاء المحكمة الدستورية، بالدرجة الأولى، إذ كانت هناك مخاوف لها ما يبررها، ان النقاش سيحتدم حول المكتسبات التي حققتها فئات اجتماعية وفقاً للدستور السابق، خاصة تلك المكتسبات الخاصة بالمرأة التونسية، إذ كان من المفاجئ أن التوافق كان واضحاً حول هذه المكتسبات ولم يحاول "حزب النهضة الإسلامي" التشدد في موقفه المعروف إزاء هذه المسألة، الأمر الذي سمح للمادة 45 من مشروع الدستور على النص بشكل واضح ومحدد على المساواة و"التناصف" بين الرجل والمرأة في كافة شؤون الحياة، والتوصل إلى توافق إزاء هذه المسألة الحساسة يشكل تقدماً واضحاً وإيجابياً، بدد المخاوف التي اعترت فئات عديدة لدى أحزاب المعارضة والمجتمع المدني في تونس.
أما المسألة الثانية، التي شكلت مفاجأة إضافية، فهي المواد المتعلقة بهوية الدولة في الفصل 38، إذ أكد على مدنية الدولة بدون أي لبس أو غموض فيما يتعلق بالمواطنة وعلوية القضاء والقانون والفصل بين السلطات، إلاّ أن هذا الفصل، يتعارض بشكل أو بآخر مع نصوص أخرى، تحاول بصياغاتها الحد من هذه "المدنية" المشار إليها كالنص على أن "الاسلام دين الدولة" مع أن نصاً آخر يشكل أقل حدة عندما يشير إلى أن "الدولة راعية للدين وحامية للمقدسات، وبالمقابل فإن مشروع الدستور يدرج بين نصوصه مصطلح "حرية الضمير" وهي تعتبر الحرية الأكبر على المستوى الديني، وهي تسمح للمواطن أن يتخلى عن دينه لصالح دين آخر أو بلا دين على الإطلاق، هذا التناقض بين مدنية الدولة، والنصوص الدينية، سيشكل مسألة بالغة الصعوبة إزاء تفسير مواد الدستور وفقاً للمادة 144 التي تقول: "تفسر أحكام الدستور ويؤول بعضها البعض كوحدة منسجمة" بينما تتعارض النصوص ولا تنسجم في كثير من المواد الدستورية!
ورغم هذا التوافق الذي رافق النقاش رغم حدته في كثير من الجلسات، إلاّ أن أحزاباً دينية اعتبرت مشروع الدستور "كارثة قومية" خاصة حزب التحرير الذي اعتبره مخالفاً للشريعة الإسلامية وأحكام تشريعاتها، متهماً القائمين على المشروع بالرضوخ لإرادة الاستعمار" ذلك أن هذا المشروع تدخلت جهات اجنبية في صياغته، ونزولاً عند اكراهاتها وضغوطها بحيث أصبح هذا المشروع علمانياً معادياً للإسلام "حسب تعليق رضا بلحاج الناطق الرسمي باسم حزب التحرير [موقع العرب 21/1/2014]. مضيفاً أن هذا المشروع يشكل انقلاباً على الثورة، ومحاولة جدية لإزاحة الإسلام حتى في التفاصيل عن العلاقات العامة وشؤون البلاد والعباد!!
وكان حزب التحرير قد صاغ مشروع دستور، قال إنه دستور إسلامي يتخذ من الشريعة الإسلامية منهجاً وعملاً ـ بديلاً إسلامياً عن الدستور العلماني ـ لافتاً إلى ان مشروع الدستور لم ينص على مناهضة كل أشكال التطبيع مع إسرائيل واصفاً ذلك بالفضيحة الكبرى، إلاّ أن معظم المفكرين والدستوريين في تونس، أشاروا إلى أن حديث حزب التحرير عن مناهضة التطبيع وعدم النص عليها في الدستور، إنما تغطية لخلافه الأساسي مع مدنية الدولة التونسية والنصوص المتعلقة بالمساواة بين المرأة والرجل والحفاظ على مكتسباتها السابقة.
واختار المجلس التأسيسي، النظام المختلط بين الرئاسي والبرلماني، كنظام الحكم، بعد جدال عنيف بين القانونيين والدستوريين، ذلك أن هذا النظام يخلق أشكالاً من الازدواجية في الصلاحيات حتى بعد تحديدها، إذ إن الحياة العملية في الفترات الانتقالية، تخلق تفسيرات من شأنها أن تعصف بتلك التحديدات والصلاحيات، وهي نقطة ضعف في الظروف التي تعقب المرحلة الانتقالية، والتي من الممكن أن تطيل من الناحية العملية تلك الفترة من عدم الاستقرار، ما يؤدي إلى شلل سياسي في السنوات الأولى من تطبيق الدستور في الديمقراطيات الناشئة. إلاّ أن الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بالممارسة العملية، خاصة وأن دولاً ديمقراطية عديدة، عبرت من خلال النظام المختلط، وبعضها ما زال يمارسها حتى بعد استقرار ديمقراطيتها كفرنسا، ولعل اقتباس التجربة الفرنسية، في هذا السياق، سينطوي على "تبعية" حاول البعض التخلص منها من خلال رفضه للنظام المختلط الذي تم التوافق بشأنه في نهاية المطاف.
ومقارنة سريعة مع الدستور المصري الجديد الذي تم الاستفتاء عليه مؤخراً، فإن نصوص الحريات الأساسية في الدستور التونسي أكثر وضوحاً وتحديداً، رغم أن تونس من أقل الدول إصداراً للدساتير، مع العلم أننا بصدد الدستور الثاني بعد الدستور الأول لعام 1959، نجد أن جمهورية مصر العربية التي اجرت العديد من الاستفتاءات على دساتير عديدة، دائمة ومؤقتة، وعلى هذا الأساس يمكن للدستور التونسي أن يشكل نموذجاً أولياً على الانتقال للديمقراطية التي تحفظ الحريات والمواطنة والمساواة والعدالة، رغم ما شابه من تعارضات وازدواجية يجب اختبار سلبياتها أثناء الممارسة العملية!!
Hanihabib272@hotmail.com
www.hanihabib.net


