حمدى قنديلفى انتخابات الرئاسة فى 2012، كان عمرو موسى هو الأوثق بى صلة بين المرشحين.. تجمعنى به زمالة ترجع إلى أيام الدراسة الثانوية، وثقة فى خبرته السياسية وشخصيته المستقلة، رغم أنه كان واحدا من وزراء مبارك.. على مائدة فى النادى الدبلوماسى قبيل الانتخابات، التقيته مع الصديقين عبدالله السناوى ومحمد سلماوى.. يومها قلت له: «تعرف كم أقدرك، ولكن اسمح لى أن حمدين صباحى هو دون نزاع الأقرب إلى حمل راية 25 يناير».. صارحت عمرو موسى أننى سأنتخب حمدين فى الجولة الأولى، ولما كنت ــ مثل كثيرين ــ لا أرجح صعوده للجولة الثانية، خاصة بعد أن فشل الاتفاق على مرشح واحد للثورة، فقد وعدت بمساندة موسى فى الجولة الثانية التى كنت أرجح أن يخوضها أمام أى من مرسى أو شفيق..
لم أكن موفقا فى تنبؤاتى، وخرج عمرو موسى من السباق بنسبة أصوات مهينة لمرشح فى مكانته، رغم أنه تقدم ببرنامج متماسك كان من أفضل البرامج التى قدمها المرشحون للانتخابات.. كنت أرجح أن الصدمة أكبر من أن يتحملها، إلا أنه طوى الصفحة دون شعور المرارة، واستمر يواصل نشاطه السياسى دون ضجيج مفتعل، وتصرف كرجل دولة على نحو اعترف به الأنصار، وأقره الخصوم أيضا، وفى مقدمتهم محمد مرسى..
منذ شهور مضت شاركت مع عمرو موسى فى مؤتمر بالشارقة حول الإعلام الحكومى، حيث أتيح لنا وقت طويل للنقاش.. عندئذ كانت ترواده بشدة فكرة الانصراف من الساحة والتفرغ لحياته الخاصة، ولكنه ما إن لاحت الفرصة لعودته إلى المشهد سرعان ما تراجع كأى سياسى محترف، وعاد اسمه ليلمع مرة أخرى بعد أن استعرض قدراته الفائقة فى قيادة لجنة الخمسين، وبعد جولاته المكثفة للدعوة للدستور التى جعلت كثيرين ينسون أنه فى أواخر السبعينيات من عمره.. منذ ذلك الحين يعرف عمرو موسى جيدا أن أسهمه فى بورصة السياسة فى صعود على نحو لم تصعد به أسهم أى سياسى آخر، لكنه مع ذلك من الحصافة بحيث يدرك جيدا أن الفريق السيسى أصبح فى نظر الجماهير أيقونة الاستقرار، البطل المخلّص، الذى افتدى بلاده بنفسه فى لحظة فارقة من تاريخ أمته.. لذلك يردد عمرو موسى ــ بإخلاص ــ أنه يؤيد ترشيح الفريق السيسى للرئاسة، ويعلن أنه لن يتقدم لانتخاباتها تحت أى ظرف من الظروف..
لكن أحدا حتى اليوم لا يعلم ما الذى سيكون عليه قرار الفريق، هل يتقدم ليقتحم انتخابات الرئاسة، أم يفضل ــ كرجل مخابرات قديم ــ العمل خلف الأستار.. أستطيع أن أجزم أنه لم يحسم موقفه بعد، رغم التصريحات الموحية التى أدلى بها قادة بارزون فى الجيش، ومصادر من تلك التى توصف بالسيادية أحيانا والمقربة أحيانا أخرى، ورغم نتائج التصويت للدستور التى ترجم بها كثيرون رغبتهم فى أن يكون الفريق السيسى رئيسا لمصر (مهما كانت ملاحظاتنا على عملية التصويت)..
الخيار الأفضل للفريق فى نظرى أن يظل فى موقعه، حارسا للدستور، وضامنا للدولة، ورمزا منزها عن ألاعيب دنيا السياسة ومطباتها.. رئاسته لمصر سوف توحى لقطاع لا يستهان به من المصريين باحتمال انزلاق البلاد إلى ما يشبه الحكم العسكرى، والعودة مرة أخرى إلى مصادرة الحريات بزعم مقاومة الإرهاب وضمان الأمن والاستقرار والاستثمار، ثم إنها قد تستفز الغرب وتمنح الفرصة للكارهين لمصر أن يزعموا أن ما حدث فى 30 يونيو انقلاب مؤكد، رغم أن هؤلاء لا يملكون تأثيرا كبيرا فى مجرى الأحداث.. الفريق السيسى إذا قرر الترشح فسوف يعرض نفسه للانتقادات الحادة التى سيوجهها الناس لأى رئيس يتولى قيادة مصر فى ظل مصاعب اقتصادية لن تنحسر بسرعة، والخشية أن تنعكس هذه الانتقادات على مكانة الجيش، الذخر الأخير ــ وربما الوحيد ــ للدولة..
أظن أننا الآن تبينا جميعا أن المزاج الشعبى العام، رغم أنه لا يزال يتطلع إلى تطبيق شعارات ثورة يناير فى العيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، إلا أنه يصبو إلى بناء دولة مستقرة بعد ثلاثة أعوام من التخبط والضياع.. معادلة قد تكون صعبة، لكننى قلت فى مقال سابق أن الدولة الجديدة يمكن أن تقوم دون أن تتعرض لهزات جديدة بالتركيبة الحالية للحكم، ثنائى السيسى وعدلى منصور.. أما وقد أعرب المستشار الجليل بشكل حاسم عن زهده فى دنيا السياسة فلا أجد أمامى سوى رجل الدولة عمرو موسى رئيسا..
ذهبت إليه فى مكتبه بمجلس الشورى منذ أيام، وقلت: «أعرف أنك تريد أن تكتفى بما حققته لنفسك وما قدمته للوطن، لكننى أتيت لك لأحثك ألا تختفى.. قد يناديك الواجب فى أى لحظة».. لم أفصح عما كان يدور ببالى، وأعتقد أنه كان عازفا عن الحديث فى غير أوانه، لكننى تأكدت أن رسالتى وصلت.. لو كنا قد استرسلنا فى الحديث لقلت له ما تمنيت صراحة، ولكنت قد أضفت أن الحلقة لا تكتمل إلاّ بحمدين صباحى.. حمدين أفضل من أرى لرئاسة مجلس النواب الذى يتولى بحكم الدستور «سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية الاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية».. فى هذا الموقع يمكن لحمدين أن يكون الحارس اليقظ على تنفيذ أهداف يناير ويونيو، خاصة فى الوقت الذى تتصاعد فيه المخاوف من عودة نظام مبارك إلى التسلل للواجهة أو التمكن من الكواليس..
حمدين هو ممثل الشعب، وموسى هو عنوان الدولة، فى حين تظل للسيسى المكانة التى لا تدانيها مكانة منذ أن أنقذ الأمة من طيور الظلام.. هذا هو الاختيار الذى يمكن أن يرضى ــ على ما أعتقد ــ أكبر قطاع من الفرقاء خاصة إذا ما كان الثلاثة يطمئنون إلى بعضهم البعض، وغياب أى ضلع من المثلث يطيح بالتوازن كله.. ربما يكون هذا الحل صادما لأولئك الذين لا يرون بديلا لوجود السيسى فى سدة الرئاسة، لكننى أرى مخلصا أنه المخرج الأفضل للوضع الراهن..


