عاد الحديث الساخن عن المصالحة الذي ثار في الصحافة الشهر الماضي إلى ثلاجة الموتى، وخبت النار التي سرت للحظات، وظن البعض أنها ستتمخض عن دفع حقيقي لعملية المصالحة التي صار الناس، من وطأة الانقسام، ينسون أنها يمكن ان تحدث.
وللمرة بعد الألف نثبت أننا بارعون فقط في التصريحات والخطابات والوعود، وأن الذهاب الحقيقي للغايات والتطلعات دون مواربات إعلامية وحذلقات بلاغية أمر غير وارد، أو هو شيء لا نحترفه.
فالكلام المعسول والخطب الرنانة والابتهالات الخاشعة، والتي كلها أعطت إحساساً دافئاً أن ثمة حراكا حقيقيا لدفع المصالحة للأمام، كلها لم تعد إلا مجرد كلمات مثل ترنيمة تلك الأغنية الفرنسية الشهيرة التي تنتهي بـ"كلام كلام كلام كلام". وأظن ان ما جرى لم يكن أكثر من كلام.
فعند فحصه على أرض الواقع تبين أنه لم يؤسس فعلاً لنوايا حقيقية، او نجم عن رغبات صادقة، بل جاء من باب الاستعراض الوقتي لاحتمالات لن تحدث.
والمواطن الذي أكل الانقسام من عمره وشرب من سعادته سرعان ما يظن أن الجبل سيلد فجأة مولوداً يليق بحجم المعاناة.
لكن الحقيقة دائماً تأتي عكس ذلك، فاستعراض سريع لمسيرة "عملية المصالحة" التي باتت أعقد من مسيرة السلام تكشف كيف أن هذه العملية على ما اشتملت عليه من تعقيدات وتدخلات ومحاولات واستنجادات لم تفلح في أن تلبي يوماً رغبة الناس في إنجاز ما لا حاجة لبذل جهد لتحقيقه: المصالحة.
كل شعوب الأرض مرت بلحظات انقسام حادة في حياتها لفترات قصيرة كانت ضرورية من أجل استكمال مرحلة بناء الهوية الوطنية وتطوير تعريفات مشتركة للمصير المشترك، وتحديد الخيارات الوطنية خاصة المتعلق منها بشكل ونوع النظام السياسي.
ووصلت الأمور في الكثير من الأحيان إلى الاقتتال المسلح وانقسام الشعب بين مؤيد لهذا الطرف أو منحاز لذلك.
ويمكن لخبرات الشعوب أن تمدنا بالكثير من النماذج حول ذلك في كل قارات الأرض، إذ إن كلمة حرب أهلية ربما كانت كلمة أصلية وأساسية عند دراسة أي نظام سياسي لأنها تعكس كنه عمليات تطور النظام والشقاق الحاد في توجهاته الداخلية، حيث إن أي صيغ دستورية توافقية تعكس في الأساس مواقف طرفي الانقسام قبل كتابة الدستور، وهوية النظام الجديد ليست إلا زواجا قسريا لكنه مرغوب في الوقت ذاته (لأن غياب هذا الزواج سيقود إلى تدمير البلاد) بين الهويات المتنازع عليها.
لكن أيضا لم تكن هذه الانقسامات بسبب رغبة في تدمير البلاد، بقدر ما كانت بسبب وجهات نظر ورؤى حول أفضل السبل لمعالجة مشاكلها.
لا يقول لي أحد إن الخلاف الفلسطيني الداخلي على القيم والمثل والمصلحة الوطنية، ولا يحاول أحد بعد ثماني سنوات من المعاناة أن يقول لي إن أحداث حزيران الأسود العام 2007 كانت بحثاً عن أقصر الطرق لتحرير يافا ولم تكن من اجل الكرسي والكرسي فقط.
لا يبدو هذا الكلام لوماً أو عتاباً بل دعوة للمصارحة والإقرار بالخطأ، لأن ثمة حتى هذه اللحظة من يحاول أن يصور في خطابه ما جرى بوصفه دفاعاً عن "المقاومة" دون أن يدرك بأنه منذ حزيران 2007 لم تقاوم غزة بالمطلق بل كانت تدافع ببسالة عن نفسها، حتى وصل الأمر بإسرائيل أن تقول قبل أشهر إنها بصدد مقايضة أمنها بالخبز المرسل لغزة.
وعليه فبالقدر الذي وقع السياق الفلسطيني ضحية تصورات ذاتية عن نفسه بالقدر الذي يتشابه واقع حاله في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة. وليست الخطب الإعلامية وحديث البلغاء المفوهين إلا تضليلا يمكن للحظات قاسية من الاعتراف أن توضحه وتزيل غمامته.
هل نحن الشعب الوحيد على وجه الأرض الذي ينقسم على نفسه وهو تحت الاحتلال؟ من المؤكد أن هذه ظاهرة غريبة فشعب يرزح تحت نير قوة احتلال قاهرة لا يجد خياراً إلا أن يتقاتل مع نفسه.
مرة أخرى ليس مهماً السبب لأن خلف كومة الأعذار ثمة حقائق مؤلمة. لكن رغم قسوة الواقع ومرارته فإننا نتعامى عن كل شيء ونصر على إعادة انتاج خطاب الانقسام بكثير من العناد دون أن نلتفت إلى أن واقعنا ليس كما يجب وأننا نغوص في الوحل أكثر فأكثر.
حتى الرمل الذي ندفن فيه رؤوسنا لم يعد يكفي ليغطيها بشكل كامل.
فمن ينظر إلى غزة الآن يدرك كيف كانت فاتورة الانقسام قاسية وأن المباهج المؤقتة التي وفرها الانقسام للبعض سرعان ما ذهبت مع الريح وأن المواطن الغلبان عليه أن يدفع من مخزون سعادته المفقودة أصلا ثمناً لهذا الانقسام فيعاني من قلة الكهرباء والبنزين والغاز وشظف العيش وقسوة تقييد الحركة ناهيك عن تدني مستوى الخدمات خاصة مع نقص المعدات والأدوية وما إلى ذلك.
الخطابات والوعود لا تساعد في إخراج هذا الشعب من الضياع الذي فرضه عليه الانقسام. وعودة نائبين ولا ثلاثة من رام الله لغزة بعد موافقة حماس وسماحها لهم ليس بالخطوة الجبارة، لأن هؤلاء النواب ما كانوا ليغادروا غزة أصلاً لو فضلوا البقاء مع مواطنيهم الذين انتخبوهم حتى لو كلفهم ذلك ما كلف بقية المواطنين.
كما أن اللقاءات المتفرقة والمبعثرة لن تقود إلى مصالحة كما أن تفسير الماء بالماء لا يزيد المعني إيضاحاً.
المطلوب هو خطوات تذهب باتجاه الهدف مباشرة، بمعنى أن يتم تشكيل الحكومة مباشرة دون اعتراض وتحفظات واشتراطات ويتم تحديد جدول زمني ينتهي بإجراء انتخابات عامة.
وهنا لا حاجة للخطابات والوعود التي لا يرى النور كثيرها بل المطلوب هو الموافقة الفورية على تنفيذ ما اتفق عليه لا الحديث حوله.
وأظن أن توفر الإرادة لو وجدت وحده يكفي، فما بالك إذا نظرنا حولنا ورأينا صعوبة الحياة التي نحياها وأن المستقبل الوحيد الذي يمكن أن نحياه، وان يخرج غزة من نفق التيه، هو بالوحدة واستعادة المصالحة التي فقدت تحت سياط الانقسام المرير.
أظن ان ثمة خزاناً لم يقرع منذ زمن، وان ثمة أيادي مرتعشة لا تقدر للأسف على دق جدران الخزان.


