نكتب قبل ساعات من الإعلان الرسمي لنتائج الاستفتاء الشعبي على الدستور المصري، لكن معظم الاستطلاعات تشير إلى أن هذا الدستور حاز على موافقة ساحقة من قبل الشعب المصري تقترب أكثر من 95 بالمائة، ومع نسبة تصويت تقترب من نصف المسجلين من الناخبين، هناك علاقة أكيدة بين النسبتين، ذلك أن الجمهور المصري كان متأكداً من الحصول على أغلبية ساحقة لصالح نعم للدستور، الأمر الذي أدى إلى شعور بالاطمئنان، وجعل عدداً كبيراً من الناخبين يعزفون عن التوجه إلى صناديق الاقتراع، لكن هذه النسبة، أي نسبة المشاركين في الاستفتاء تعتبر عالية وجيدة، مقارنة بالمشاركين المصريين في الاستفتاءات السابقة، أو بمعايير المشاركة في الاستفتاءات على المستوى الدولي.
كما أن هناك علاقة أكيدة كما نعتقد، بين هذه النسب، ذلك أن هناك مؤشرات إلى أن حوالي خمسة بالمائة فقط من المشاركين في الاستفتاء قد قرؤوا وتعرفوا على مواد الدستور، ما يشير إلى أن المشاركين كان همهم بالدرجة الأولى منح شرعية دستورية للنظام الذي أسقط حكم العشيرة، أكثر من التصويت على مواد دستورية بعينها، وقد لخص مواطن بسيط ظهر في إحدى الفضائيات هذا الأمر بقوله: "أنا طبعاً قلت نعم.. لا مقريتش الدستور، بس ولادي وأحفادي قروها، بقالهم شهر بيناقشوها وأنا سمعتهم، كل حاجة كويسة.. أيوه بتقول نعم.. عشان مصر تبقى بخير وأمان، كل حاجة حتكون كويسة وحلوة.. واهو اللي قاطعوا يتفلقوا.. هما أحرار.. كم نفر يعني.. ربنا يهديهم". إذن الأمر لا يحتاج إلى كثير من التدقيق والتمعن، بل إصرار على إنهاء المرحلة الانتقالية والوصول بخارطة المستقبل التي نتجت عن ثورة 30 يونيو/حزيران إلى نهاية الطريق ونهاية الشرعية المستلبة لجماعة الإخوان، وبداية الخلاص من إرهابها الذي تواصل بعنف أثناء الاستفتاء، الأمر الذي أدى إلى سقوط ضحايا بشكل متعمد حتى لا يكلل النصر الشعبي بسلام، ومحاولة تلطيخ التجربة الديمقراطية بالدماء، هؤلاء الذين سقطوا ضحايا، هم ضحايا الطغمة الفاشية التي تعمدتها الجماعة وما تزال.
مع ذلك لا بد من تسجيل بعض الملاحظات السلبية على أداء نظام الحكم أثناء الاستفتاء على الدستور المصري، أولاها اعتبار أن من يقاطع الاستفتاء إما عميل مأجور، أو إخواني إرهابي، وهذا غير صحيح، ولا يصح في أي نظام ديمقراطي، ذلك أن المقاطعة تمثل موقفاً شخصياً أو جماعياً، كفلته حرية الرأي والتعبير بصرف النظر عن أسبابه ودواعيه، ولا يجب تخوين من يتخذه بأي حال من الأحوال، وثانيها انه تم اعتقال كل من كان يدعو إلى التصويت بـ "لا" للدستور، وهو أمر طبيعي إذ لا يجب القيام بأعمال الدعاية والتحريض أثناء العملية الاستفتائية، لكن ما حدث أن هذا الأمر لم ينسحب على الداعين بالتصويت بـ "نعم" للدستور، وهذا يعني أن السلطات كانت منحازة لوجهة نظرها، مع أنها يجب أن تقف على الحياد لصالح منح المشاركين في الاستفتاء كل الحرية لتحديد موقفهم من الدستور.
أما الملاحظة الثالثة، وهي إجرائية، فقد لوحظ بطء أداء مراكز الاستفتاء، الأمر الذي أدى إلى بقاء صفوف طويلة لمدة ليست قصيرة أمام هذه المراكز، يعود ذلك إلى أدوات الاستفتاء من بشر وأجهزة وثقافة، وربما اسهم ذلك ـ بشكل غير مقصود ـ إلى ظهور الطوابير الطويلة والمتراصة أمام مراكز وصناديق الاقتراع، ما أشاع مظهر الازدحام الذي كما نعتقد لم يكن حقيقياً بالكامل.
رغم ذلك، فإننا نبارك لشعبنا العربي المصري هذه الخطوة التي تشكل بداية حقيقية لمرحلة جديدة تعيد لمصرنا دورها الطليعي، لتلعب مكانتها وقدراتها في إزاحة الغمة التي طالت الربيع العربي الذي تم تشويهه بعد سرقة مكتسباته، وإذا كانت تونس قد أشعلت جذوة هذا الربيع، فإن مصر المحروسة، أعادت لهذا الربيع زهوره وصححت من مساره وأعادت الثقة للشعوب بأن تضحياتها لن تسرق بعد اليوم.
وما تزال هناك خطوات لا بد منها لاستكمال خارطة طريق المستقبل في مصر: الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وسن قانون للانتخابات، ونعتقد أنها الخطوات التي يجب ان تحدد خلال فترة قصيرة، من خلال مراسيم يصدرها الرئيسي الانتقالي بعد صدور النتائج النهائية للاستفتاء على الدستور.
ومع أن نتائج هذا الاستفتاء قد تشجع قائد الجيش المصري السيسي على الترشح لانتخابات الرئاسة، إلا أننا ما زلنا نعتقد انه بذلك يرتكب خطأً كبيراً، على المستوى الشخصي والوطني، ونعتقد أن مكانته كوزير للدفاع وقائد عام للقوات المسلحة، في إطار الشعبية الهائلة التي اكتسبها عن حق، أهم بكثير، له ولمصر، من رئاسة المحروسة!!
Hanihabib272@hotmail.com
www.hanihabib.net


