خبر : “أراضي المندوب” .. الملاك متذمرون والحكومة تراه مصلحة للمواطن

الأربعاء 27 نوفمبر 2013 11:05 ص / بتوقيت القدس +2GMT
“أراضي المندوب” .. الملاك متذمرون والحكومة تراه مصلحة للمواطن



غزة / سما / على امتداد حوالي 6 آلاف دونمًا بمنطقة المواصي الساحلية غرب محافظتي خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، قطنت عائلات الأسطل، الأغا، العقاد، المجايدة، الفرا، الشاعر، وزعرب، منذ ستين عامًا أو يزيد، أحيوا أرضًا مواتًا بالزراعة والإعمار والنسل، فغالبيتهم مزارعين، البعض منهم قاموا بضم أراضٍ حكومية مجاورة إلى أرضهم والبعض الآخر ذهبوا إلى مناطق أخرى سوروها واستصلحوها بالزراعة واستفادوا من خيرها على مر العمر بهم وأصبحت الأرض جزء لا يتجزأ منهم ولأنهم سكنوها منذ الانتداب البريطاني والذي كان يوجب تسجيل الأراضي باسم المندوب السامي أُطلق عليها “أراضي المندوب”.. لكنهم الآن في مواجهة القانون الذي يؤكد أنهم أقاموا على أراضٍ حكومية دون الرجوع إلى الجهات المختصة وثبتوا أقدامهم عليها بما يُعرف بـ”وضع اليد” ما يجعلهم مُضطرين – من وجهة نظر الحكومة- إلى التفاهم على تسوية قد لا تكون مُرضية 100% لكنها تُراعي خصوصية حيازتهم للأرض وإحيائها منذ زمن بعيد.

وبحسب القانون الذي وضعته الإدارة المصرية رقم “5″ لسنة 1960 وتم تعديله بالقانون رقم “8″ لسنة 1966 فإنه لا يجوز لأي شخص تملك الأموال الخاصة المملوكة للحكومة أو الأشخاص الاعتبارية العامة وكذلك أموال الأوقاف الخيرية أو كسب حق عيني بالتقادم ولا يجوز التعدي عليها، كما يُشير القانون أنه في حالة حدوث التعدي يكون للجهة الرسمية صاحبة الشأن حق إزالته إداريًا حسب ما تقتضيه المصلحة العامة.

صحيفة “الاقتصادية” تفتح ملف أراضي المندوب، وتبحث في آليات التسوية من قبل الحكومة وإمكانية القبول بها من قبل المواطنين وتعرض لقرار مجلس الوزراء والميزات التي يوفرها للحائزين القُدامي الذين يشملهم القرار..

جور ذوي القربى

فلم يدر بخلد أبو إبراهيم الأسطل 54 عامًا من مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة أن عدم تسجيله لأرضه في الطابو سيحرم أبنائه وأحفاده منها كونها أراضي مُصنفة “أراضي مندوب” أي حكومية وأن مجرد استصلاحها أو تعميرها بالبناء والسكن سيكون مخالفًا للقوانين التي وُضعت تاليًا، يقول “أبو إبراهيم”:”أملك وأشقائي حوالي 100 دونم من الأرض، ورثناها عن أجدادنا واليوم يُريدون اقتصاص نصفها باعتبار أنها أراضي مندوب أي حكومية ولا نملك أوراق تسجيلها كالنصف الأول من أراضينا”.

يشكو “أبو إبراهيم” لـ”الاقتصادية” جور الحكومة ممثلة بسلطة الأراضي ووزارة الحكم المحلي عليه وعلى عائلته بحجة أنهم حازوا أرضًا حكومية، قائلًا بصوتٍ يخنقه الألم :”قديمًا وخوفًا من الضرائب كان آباؤنا لا يُسجلوا كافة مساحة الأرض بشكل رسمي في سلطة الأراضي” ويُتابع أنهم توارثوا الأرض على مدار 50 عاما إلا أنهم لم يفلحوا في تسجيلها رسميًا كسابقتها لأن سلطة الأراضي أكدت لهم أنها أراضٍ حكومية والقانون يقضي باستردادها كاملًا.

ويُشير الرجل إلى أن غالبية أصحاب الأراضي في منطقة المواصي أو ما تُسمى عرفًا بين الناس”أراضي مندوب” لم يكونوا ليُسجلوا كافة مساحات أراضيهم ما جعلنا الآن في عراك مع الحكومة إما القبول بالتسوية أو الخروج إكراهًا.

وتوصلت الحكومة مؤخرًا بالتوافق بين سلطة الأراضي ووزارة الحكم المحلي ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي إلى قرار يقضي بترك 45% من “أراضي المندوب” للمواطنين واضعي اليد عليها على أن يُسددوا ثمنها بالمثل وفق إجراءات مُحددة واسترداد الحكومة لـ 55% منها.

ويقول الرجل “لا طاقة لنا بترك أراضينا ولا حيلة لنا بدفع المبالغ التي تُريدها الحكومة”، مُطالبًا أن يكون “ثمن المثل” كما اشتروها أو استأجروها قبل 60 عامًا من المندوب أو الحاكم الإداري المصري أو العسكري الإسرائيلي، وأضاف ” قرار التسوية يخدم بالدرجة الأولى الحكومة ويتجاهل ظروفنا”.

إجحاف ومغالاة

ويتساءل عبد الكريم الأغا الذي يملك وأعمامه ما مساحته 104 دونمات في منطقة مواصي خان يونس عن حقيقة المميزات التي احتواها قرار مجلس الوزراء قائلًا إنها لا تخلو من “الإجحاف والمغالاة”. وأضاف ” كيف يمكن الوصول إلى تسوية في ظل منع سلطة الأراضي البلديات من منحنا أي ترخيص للبناء أو الاستئجار قبل دفع المستحقات المالية لها عن نسبة الأرض التي تم تخصيصها والمقدرة بنسبة 45%؟! مطالبًا بضرورة العدول عن هذا القرار”.

وتهدف سلطة الأراضي من هذا القرار وفق ما أفاد بيان صادر عنها إلى إيجاد حالة من التنظيم والتخطيط الهيكلي لتلك المنطقة، مؤكدة أنه لا يتم إلا بعد التسوية وفرز أراضي المواطنين والأراضي الحكومية وإعادة تسويرها وترتيبها وهيكلة طرقها ومرافقها العامة.

لكن يبدو أن التفسير لا يروق لـ “الأغا” مؤكدًا أنه يُعطل مصلحة المواطن لحساب المصلحة الحكومية، ويذكر الرجل أنه مُنع منذ عام 2007 من الاستفادة من الأرض اقتصاديًا لا بالبيع أو الشراء ولا حتى بالبناء على اعتبار أنها أراضي للحكومة مما كبده خسائر طائلة سيمتد أثرها خاصة بعد قرار دفع قيمة 45% من الأرض وفق قرار مجلس الوزراء.

حلٌ جذري

وعلى الرغم من تذمر المواطنين إلا أن أسامة سعد، المستشار القانوني بمجلس الوزراء يرى أن القرار الذي اتخذه المجلس التشريعي مؤخرًا بالتوافق مع مجلس الوزراء وسلطة الأراضي في قطاع غزة بمثابة حل جذري ونهائي للتعديات على الأراضي الحكومية في منطقتي مواصي رفح وخان يونس أو ما تُسمى أراضي “المندوب”.

وقال في حديثٍ خاص مع “الاقتصادية” :” يقضي القرار بترك 45% من الأرض الموضوع اليد عليها للمواطنين و55% تبقى للحكومة”، لافتًا أن النسبة المتروكة للمواطن ليست هبة وإنما تُترك بالبيع ومن ثمَّ بعد تسديد ثمنها تُطوب للمواطن باسمه بما يُنهي أي مشكلة قد تحدث مستقبلًا.

وأهاب “سعد” بالمواطنين بضرورة اغتنام الحل الذي تطرحه الحكومة خاصة وأنه يُنهي جذريًا مشاكل هذه الأراضي ولا تبقى متوارثة عبر الأزمان وقال :” القرار الذي اتخذته الحكومة مفيد جدًا لمصلحة المواطن ولم تُقدم حكومة قبل ذلك على أن تحل مسألة التعديات على أراضيها الحكومية بشكل جذري ونهائي كما يحدث الآن”.

وفي المقابل أكد مواطنون لـ”الاقتصادية” أن بعضًا من أراضيهم مُطوبة بأسمائهم ولها أوراق رسمية في كافة الهيئات ذات العلاقة، فيما الأراضي المُسماة بـ”أراضي مندوب” لا يملكون لها أوراقًا وحاولوا منذ سنوات طويلة تطويبها إلا أن مشكلة أنها أراضي حكومية كانت تُعرقل عملية التطويب، وأضافوا أن العرف القديم كان يقضي بتسجيل الأراضي باسم المندوب في وقت الانتداب البريطاني ولذلك لم يتمكن أجدادهم من تسجيلها بأسمائهم لكنهم توارثوها عنهم وعن آبائهم.

ميزات جيدة

وبحسب المسئولون في مجلس الوزراء وسلطة الأراضي فإن القرار راعى مصلحة المواطن بدرجة كبيرة ومنحه ميزات جيدة بدءًا من تقسيط ثمن مساحة 45% على عشر سنوات، ومرورًا بخصم 40% من قيمة المبلغ المستحق على مساحة الأرض المتروكة للمواطن، وكذلك خصم 20% آخرين من قيمة المبلغ إذا تم الدفع فوريًا.

وقال :” إنه في حال التقسيط يتم على مدار عشر سنوات على أن يدفع المواطن ما قيمته 20% من قيمة الأرض المُخصصة له والمُقدرة وفق القرار بـ 45%”.

وإلى ذلك لفت “سعد” إلى بند عدم نقل ملكية الأرض بشكل كامل وتام للمواطنين إلا بعد دفع كامل الثمن، مؤكدًا أنه قانوني وفيه حفظ لحقوق المواطن والحكومة معًا، وتابع أن القرار استكمل هذا الشرط بحظر البناء على الأرض المخصصة للمواطنين إلا بعد قرار اللجنة المركزية للأبنية وتنظيم المدن من أجل ألا تتحول المنطقة إلى كتل سكنية عشوائية، بل يتم تطويرها في إطار مخططات التنظيم المعماري والحضري، ناصحًا المواطنين الذين يضعون أيديهم على “أراضي مندوب” أن يتعاملوا بإيجابية مع القرار بما يُحقق إنهاء مشكلة تعدياتهم على الأراضي الحكومية وأن يجتهدوا في دفع التزاماتهم المالية أمام الحكومة للأراضي التي تم تخصيصها لهم.

وأضاف أن ذلك ينعكس إيجابيًا على تحديد أراضي الحكومة المُتبقية وبالتالي العمل على ترتيبيها وتنظيمها وفق الآليات والإجراءات التي ترتئيها الحكومة للاستفادة منها في مشاريع إستراتيجية تُدر دخلًا جيدًا على الاقتصاد الفلسطيني.

التسوية للحائزين القُدامى

وكانت الحكومة في غزة قد شكلت لجنة برئاسة دائرة المساحة في سلطة الأراضي وعضوية كل من مندوب عن وزارة الحكم المحلي، وممثل عن المواطنين لإجراء بحث ميداني لأراضي المندوب وتحديد مساحاتها بالضبط وتحديد المواطنين واضعي اليد عليها ليتم تسوية الأمر معهم، إلا أنها اصطدمت ببعض ملاك جدد اشتروا أراضي تتراوح مساحتها بين 200 -500 متر مما عطل المسح.

ويؤكد عمر زايدة مدير عام أملاك الحكومة في سلطة الأراضي أن أولئك لا يشملهم قرار مجلس الوزراء الذي يُشير إلى التسوية مع حائزي الأراضي القُدامى، وقال في حديث لـ “الاقتصادية” :”أولئك اشتروا أراضٍ حكومية ولا ينطبق عليهم قرار مجلس الوزراء وهناك إشكالية في الاعتراف بهم وسيتم التعامل معهم بالمقتضى القانوني المعمول بسلطة الأراضي”.

وأكد أنهم بعد عام ونصف من الحصر للأراضي أوقفوه فترة نظرًا للأعداد الكبيرة لهم، وتابع كاشفًا أن الحكومة وفي إطار إصرارها على الحل عادت للحصر من جديد لكنها لم تعد بعد بحلول لهذه الفئة ممن اشتروا أراضٍ حكومية تتراوح بين 200 -500 متر لأجل السكن والحصول على المأوى، قائلًا:”مازال البحث قائمًا وأفق الحلول لم تتضح بعد”.

فرصة لا تتكرر

وناشد “زايدة” المواطنين من واضعي اليد على أراضي الحكومة القدامى بضرورة اغتنام الفرصة، مؤكدًا أنها لن تتكرر.

وأضاف أنهم بقبولهم التسوية يمكنهم التمتع بملكية أراضيهم وتوريثها لأبنائهم بأوراق ثبوتية وبإمكانهم أن يمارسوا عليها كافة أنشطتهم المعمارية والاقتصادية، خاصة وأنهم الآن لا يمكنهم ذلك وفقًا لقرار سلطة الأراضي وإيعازها للبلديات بعدم ترخيص أي مخطط عمراني هناك إلا بعد التسوية ودفع المستحقات المالية المترتبة على التسوية للحكومة.

وشكى كثير من المواطنين لـ”الاقتصادية” من عدم سماح البلديات لهم بالحصول على تراخيص لتعمير مساكن أو إنشاء مشاريع في أراضي المندوب وذلك وفقًا لقرار من سلطة الأراضي، وطالبوا البلديات بالعدول عن موقفها ومناصرتهم ومنحهم الخدمات البلدية لحين تتم تسوية الأمور مع سلطة الأراضي ويتمكنوا من تسجيل أراضيهم بالطابو.

وفي سياقٍ متصل، أشار “زايدة” إلى أن القبول بالتسوية ضروري من أجل مصلحة الطرفين المواطن والحكومة معًا موضحًا أن الحكومة لن تتمكن أيضًا من الاستفادة من الأراضي طالما بقيَّ المواطن واضعًا يده عليها رافضًا أي حل.

وأضاف أنه في حال إنهاء المشاكل سيتم تنفيذ مشاريع إستراتيجية وفقًا لطبيعة تلك الأراضي من شأنها أن تُحقق رافعة للاقتصاد الفلسطيني سواء في المجال الزراعي أو المعماري بما يُحقق التخفيف من أزمة السكن المتفاقمة في القطاع.