غزة / سما / حالة من الغضب والاستهجان سيطرت على بعض التُجار ورجال الأعمال في غزة بسبب قرار أصدرته وزارة المالية في يونيو الماضي – لكنه لم يُنفذ حتى الآن- يقضي بتحصيل الحكومة الضرائب على هامش الربح قبل البيع.
واشتكى بعض التُجار لـصحيفة"الاقتصادية" الصادرة من غزة من الأعباء التي يتكبدونها جراء هذا القرار خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها القطاع وتؤثر بشكل مباشر سلبيًا عليهم من حيث تراجع القوة الشرائية وتضخم حجم الديون ونقص البضائع بسبب الإجراءات الأمنية على الجانب المصري.
ويقول أحد التُجار الذي يعمل في مجال استيراد الملابس- رفض الكشف عن هويته- إن وزارة المالية حاولت خلال الأشهر السابقة أن تُحصل منه على ضريبة هامش الربح مُقدمًا بمجرد وصول بضاعته إلى المعبر، إلا أنه رفض، مؤكدًا أنه ملتزم بدفع الضريبة فور تسويقها.
وتساءل " كيف يمكن دفع ضريبة هامش الربح قبل البيع وتحقيق الربح؟! مع العلم أن وضع السوق لا يُبشر بإمكانية تصريف الملابس حتى نهاية موسم الصيف الحالي- على حد قوله.
وبحسب قرار الوزارة الذي اطلعت "الاقتصادية" على نسخًة منه، فإنه يتوجب على التاجر دفع الضريبة مقدمًا لكافة البضائع التي يستوردها، مع العلم أن تحديد المبلغ للدفع يكون على أساس نسبة هامش الربح التي يُقدرها التاجر ولجنة مختصة من الغرفة التجارية ووزارة المالية وتكون موازية للنسب المعتمدة، كما يُعطي القرار الحق للتاجر باسترداد مبالغ الضريبة المُحصلة على البضائع الواردة فقط عند بيعها بفواتير صفرية – لصالح المؤسسات الدولية العاملة في القطاع.
تقنين التهرب الضريبي
ويؤكد أحمد الشنطي مدير عام ضريبة القيمة المُضافة بوزارة المالية بغزة أن القرار يهدف إلى تقنين حجم التهرب الضريبي للبضائع الواردة إلى قطاع غزة من خلال معبر كرم أبو سالم الخاضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي.
ويقول في حديث خاص مع "الاقتصادية" :"إن القرار راعى مصلحة التاجر وحقق له ميزات جيدة في مقابل تسديد الضريبة مُقدمًا"، لافتًا إلى أن القرار لم يُحمل التاجر أي ضرائب إضافية ولم تزد الحكومة من نسب الضرائب مقارنًة مع ما هو معمول به في الضفة الغربية، إذ وصلت قيمة الضريبة المضافة فيها 16% تماشيًا مع الزيادة في "إسرائيل" والتي وصلت 18% وظلت في قطاع غزة تراوح مكانها بنسبة 14.5% رأفًة بالمواطن وبالأوضاع التي يُعانيها.
قرار جائر
من جهته، اعتبر محمد الكحلوت أحد تُجار الأجهزة الكهربائية في غزة قرار الوزارة قرارًا جائرًا، مؤكدًا أنه يأتي في صالح الحكومة بالدرجة الأولى.
وقال : " تحصيل الضريبة من التاجر قبل تسويق بضائعه التي يستوردها يخدم خزينة الحكومة وأن الإعفاءات المالية التي تُقرها الوزارة والمتعلقة بخلو الطرف مُقابل الالتزام بدفع الضريبة لا تُعتبر ميزة لأنه يدفع ضريبة مسبقة على ربح لم يُحققه".
وبمزيد من الغضب استكمل "التاجر" حديثه لـ "الاقتصادية" قائلًا:" لا يمكن للحكومة أن تقوم بفرض ضرائب جزافية مسبقة الدفع"، وأضاف أنه من الصعب تحديد قيمة أرباح السلع الواردة قبل أن يتم تسويقها خاصة وأن التاجر أحيانًا قد يتعاقد على سلع أحيانًا لا تصل إلى القطاع بسبب إغلاق المعابر أو تتعرض للتلف.
ويقول بالعامية:"عندها على التاجر أن يلف كعب داير على الوزارات عشان يسترد الضريبة المدفوعة سلفًا"، داعيًا الحكومة العدول عن القرار نهائيًا وليس تأجيله كما حدث.
منافيًا للقوانين الضريبية
واستهجن أبو محمود الزقزوق تاجر قطع غيار للسيارات قرار وزارة المالية، مؤكدًا أنه مُنافيًا للقوانين الضريبية، وقال:"في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يُعانيها القطاع وتأثيرها السلبي على التُجار لا مبرر لطرح القرار وتنفيذه من قبل وزارة المالية".
وأضاف أن ذريعة تقنين التهرب الضريبي غير منطقية، خاصة إذا كان التاجر ملتزمًا بدفع الضرائب المستحقة أولًا بأول، داعيا الحكومة إلى عدم تحميلهم أعباء إضافية لا طاقة لهم بها، لافتًا إلى أن العرف والقانون الضريبي المعمول به عالميًا أن يتم تصريف البضائع وتحقيق هامش الربح لها ومن ثمَّ دفع الضرائب من الأرباح، وإلا لأفلس غالبية التُجار نتيجة الدفع المُسبق للضرائب – من رأس المال- قبل تحقيق الربح.
ميزات للتاجر
وردًا على غضب واستهجان بعض التُجار ورجال الأعمال في القطاع، أكد الشنطي أن القرار يحمل بعض الميزات التي تُخفف من الأعباء على التُجار ورجال الأعمال، قائلًا :"أوجدنا بعض التسهيلات على المعابر، ولن يكون التاجر مُلزم بالحصول على خلو طرف، خاصة وأننا نُحصل قيمة هامش الربح على الفئة الواردة أولًا بأول.
وأضاف أن متابعة الحكومة للسلع الواردة أولًا بأول للتُجار وتدقيقها تعفي التاجر من الاحتفاظ بالمستندات الخاصة بالبضائع لمدة سبع سنوات أو التعرض لحملات تفتيش فجائية وتحصيل قيم جزافية بحجة عدم الإفصاح عن الإيرادات الحقيقية أو نسبة هامش الربح الحقيقية، قال:"هذه ميزة كبرى للتاجر وتضمن حقوقه" وتابع أن القرار أخذ في عين الاعتبار تعرض البضائع للتلف أو عدم الوصول أوعدم تحقيق الأرباح المرجوة أو أي ضرر، لافتًا إلى أن الوزارة ستكون ملزمة عندها بإعادة الضرائب التي جنتها من التُجار بالكامل.
وبيَّن الشنطي أن التاجر في حال باع سلعته لجهات مانحة من خلال عقود قانونية وكانت هناك موافقة من الحكومة عليها كبيعها للجهات المانحة التي تُساعد في تنفيذ المشاريع التطويرية والمعمارية يتم إصدار فاتورة صفرية بها ويستعيد التاجر الضرائب التي دفعها مُسبقًا.
تأجيل القرار وحملات توعية
وأدت حالة الاستهجان والغضب التي قوبل بها القرار من قبل التُجار والقطاع الخاص، بالوزارة إلى تأجيل تنفيذ القرار إلى أجلٍ لم تُعلن عنه .
وقال "الشنطي" إن القرار لن يخرج للتنفيذ إلا بعد استكمال حملات التوعية التي تقوم بها الوزارة والتوافق مع التُجار والقطاع الخاص حول تنفيذه، وأكد أن القرار مازال محل حوار ومناقشة بين الحكومة وكافة الأطراف المعنية باعتبارهم شُركاء في عملية البناء والتنمية الاقتصادية في قطاع غزة.
من جانبها، عمدت الوزارة بعد تأجيل تنفيذ القرار وبالتعاون مع المكتب الإعلامي الحكومي إلى تنفيذ حملة توعوية حول ضرورة دفع الضريبة في مختلف محافظات غزة في إطار خلق حالة من الوعي الضريبي لدى المجتمع الفلسطيني والمُكلفين على وجه التحديد.
وقال "أحمد علي"مدير عام وحدة العلاقات العامة والإعلام بوزارة المالية – عبر بيان تلقت الاقتصادية نسخة عنه- :"إن الحملة تتطلع إلى خلق ثقافة جديدة لدى المواطن عن الضريبة ومفاهيمها واستحقاقاتها وآليات صرفها" مؤكدًا أنها تترجم خدمات في قطاعات الصحة والأمن ومشاريع البنى التحتية لقطاع غزة.
وبيّن أن الحملة ستستمر شهرًا عبر وسائل الإعلام المختلفة المرئية والمسموعة والمقروءة، أملًا في إحداث الصدى المطلوب وتغيير المفهوم السلبي المرتبط بالضريبة لدى الناس.
لمواجهة الأزمة المالية
ويرى المحلل الاقتصادي عمر شعبان أن فرض الضريبة جاء لمواجهة الأزمة المالية التي تُعانيها الحكومة في غزة، وأشار في حديثه لـ "الاقتصادية" إلى أن الحكومة في غزة عانت وما تزال منذ نهاية يونيو الماضي من أزمة مالية نتيجة الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة المصرية باتجاه الأنفاق، قائلًا :"إن التجارة عبر الأنفاق كانت أحد مصادر الدخل الأساسية للحكومة في قطاع غزة والتي ضخمت مصروفاتها وعدد موظفيها في العامين السابقين بشكل كبير حيث وصلت موارد الحكومة حوالي 30 مليون دولار شهريًا ، معظمها تذهب للرواتب".
وتابع أن الوقت الذي تفرض فيه الحكومة هذه الضرائب غير مناسب للمواطن الفلسطيني خاصة وأن القطاع الخاص يعيش حالة من الركود، وقال :"الضريبة ستُثقل كاهل القطاع الخاص والمواطن الفلسطيني".
إلى ذلك، استهجن أبو شعبان دفع الضريبة بشكل كامل قبل تحقق الأرباح، لافتًا أن الوضع الفلسطيني لا يوجد فيه شيء مضمون، فأحيانًا قد يحجز التاجر بضاعة من الخارج ولكن بسبب المعابر والإجراءات الإسرائيلية لا تصل، متسائلًا: كيف يمكنه أن يدفع الضريبة قبل بيع بضاعة لم تصل بعد أو عملية شراء أو بيع لم تتم بعد؟!
ونصح "أبو شعبان" الحكومة التخفيف من الأعباء التي يتحملها المواطن في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها بدلًا من زيادتها.


