رحل هوجو تشافيز-الحاكم الفنزويلي العظيم- الذي أرسى مجموعة من القيم والمبادئ، وإتخذ العديد من القرارات والمواقف الانسانية الرائعة، وتحدى الطاغوت والجبروت الأمريكي أي الشيطان الأكبر كما قال الامام الخميني رحمه الله تعالى، ووقف تشافيز كذلك ضد الهيمنة الغربية بكل جبروتها، وساعد مساعدة فاعلة في مجموعة من القضايا الانسانية ومنها قضية فلسطين، كما ساهم في دعم الصمود الإيراني أمام التحديات العديدة، وخصوصاً الحصار المفروض ظلماً على إيران بسبب تفوقها العلمي والتقني والنووي، في وقت يسعى فيه بعض حكام العرب ومن ورائهم علماء ومشايخ متسلفون، يسعون إلى دعم مشروع تفتيت الأمة بحجة الخوف على مذاهب أهل السنة من الشيعة، وكأن مذاهب أهل السنة من زجاج قابل للكسر، يقع عليها المذهب الاثنى عشري فيدمرها تدميراً ولا تقوم لها قائمة. إنهم لا يعقلون. وهذا المشروع لا يخدم العرب ولا المسلمين ولا قضاياهم، ولكنه يصب فقط في صالح الأمريكان وإسرائيل الصهيونية.يمر كثير منا على آيات كريمات لا تحرك فيه ساكناً، بل ومنهم من يعمل على عكسها ’فاعتبروا يا أيها الألباب’ ’واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا’ ’ولا تنازعوا فتفشلوا’ ’إن هذه أمتكم أمة واحدة’ نقرأ هذه الآيات ونعمل آحياناً ضدها.كثير منا نحن العرب والمسلمين يجهل ماذا عمل الرئيس الفنزويلي الراحل تشافيز في فنزويلا، وماذا فعل الرئيس لولادي سيلفيا في البرازيل، لأننا انشغلنا بأنفسنا وإكتفينا بما قد يكون لدينا من تجارب وخبرات، ولم نستفد من تجارب الآخرين ومشروعاتهم، وبعضنا يربط كل شيء بالعقيدة، علماً بأن الامام البنا رحمه الله تعالى قال في رسالة التعاليم عن الاسلام أنه يرحب بالصالح النافع من كل شيء، حيث أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، كما جاء في الحديث.آثرت أن أكتب اليوم عن الراحل العظيم تشــافيز، ورأيت أن أوضح بعض أهم أعماله العظيـــمة في نقاط بالترقيــــم حتى يسهل فهمها، ولمن يريد من حكامنا وأحزابنا العربية، أن يستفيــــد منها لأنها في ظني أساس واضح لسياسة إستراتيجية عظيمة وناجحة، ووراءها فلسفة حياتية في غاية الرقي، كم تمنيت أن أرى من حكام العرب والمسلمين من هم في حكمة تشافيز ورؤية تشافيز ووضوح تشافيز. وكم تمنيت أن يكون تشافيز مسلماً فيكون من أقوى دعاة الإسلام ببساطته ووقوفه إلى جانب الحق ولكنها هداية الله لمن أراد ’إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء’.ذكرت هنا بعض إنجازات تشافيز حسب رسالة مستشاره السياسي إلى فيصل القاسم والتي تناقلتها العديد من المواقع الاخبارية: أرجو أن ينشر هذا المقال بنفس الترقيم ليسهل قراءة بنوده وفهمه تلك البنود التي تشكل خطة أو استراتيجية تكاد تكون متكاملة.القضاء على الاحتكار والاقطاع وتوجيه الاقتصاد ليكون في خدمة الشعب بعيداً عن الخصخصة وأخطارها، وخصوصاً خصخصة ما يتعلق بالإنتاج الإستراتيجي مثل النفط والغاز، ولقد كانت أمريكا تستفيد من الاحتكار والاقطاع الذي قضي عليه تشافيز، فوجه إليها ضربة قوية.استطاع تشافيز أن يحول الاقتصاد الفنزويلي ليكون في خدمة أكثر قطاعات الشعب، بل وطبق سياسة إشراك الدول الشقيقة في التنعم بثروات فنزويلا الطبيعية، من قبيل الغاز والنفط، بل إنه قدم إقتراحاً إلى منظمة أوبك بتفاصيل هذا المشروع الاجتماعي الرائد، تضامناً مع الدول الفقيرة مقابل خدمـــات تقـــدمها أو تقوم بها تلك الدول، مع مشروع عرض تقديم قروض بفائدة لا تزيد عن 1’.سعى تشافيز لعلاقات تكافل وتنسيق سياسي واقتصادي وإجتماعي مع معظم دول أمريكا اللاتينية والكاريبي وأمريكا الوسطى.طالما ندد تشافيز بإسرائيل والحركة الصهيونية وأدائهما الاجرائمي الجماعي السيئ، ووقف ضد العدوان الاسرائيلي على لبنان وفلسطين، بل وسحب سفيره من تل أبيب نهائياً. وهو عمل لم نفعله نحن حتى مصر بعد الثورة العظيمة التي أتت بالإسلاميين إلى الحكم، ونصبت مرسي في كرسي الرئاسة، فكانت رسالته الشهيرة غير المتوقعة إلى صديقه العزيز بيريز. إنها في ظني كارثة بكل المقاييس، فضلاً عن موافقته على ما يسمى-ظلماً وعدواناً- بإتفاقية السلام رغم إجرام إسرائيل والحركة الصهيونية، ومساندة أمريكا لإسرائيل ودعمها للصهيونية. ولو كان الامام البنا حياً لما وسعه-في ظني- إلا أن يقف ضد إجرام الصهيونية والهيمنة الأمريكية، ويقف ضد الاتفاقيات الظالمة حتى يتم على الأقل تعديلها أو يتم إلغاؤها. طالما ندد تشافيز بالعدوان والإجرام الأمريكي على أفغانستان والعراق، رغم مساندة أو على الأقل قبول أو سكوت بعض المجاهدين الاسلاميين عما فعلته وتفعله أمريكا في أفغانستان والعراق، وكأن الاحتلال والعدوان الأمريكي باعتبار أنه رأسمالي، أفضل من العدوان السوفياتي أو الاشتراكي أو الشيوعي أو أقل خطراً وحذراً.تضمّن دستور فنزويلا في عهد تشافيز بعض البنود التي تجيز للشعب إلغاء حكم الرئيس عن طريق إجراء استفتاء بعد مرور نصف مدة الرئاسة. أظن أننا نحتاج أيها المسلمون إلى تشافيز أو أكثر في كل بلادنا الإسلامية ليخلصنا من الديكتاتوريات والاستبداد والتوريث الأسري بإسم الإسلام والخضوع للهيمنة الغربية والقواعد العسكرية الأمريكية والاتفاقات المجحفة- وقد أوضح الدستور لأول مرة حقوق سكان البلاد الأصليين منذ وصول الأوروبيين إلى القارة، في حين تخلص الأمريكان من الهنود الحمر إما بالقتل أوالإبادة والاستبعاد أو الاستعباد. ليس المهم كم يبق الحاكم في الحكم، ولكن المهم ماذا يفعل في تلك المدة. كانت مدة عمر بن عبدالعزيز- رحمه الله تعالى- في الحكم أقل من سنتين ونصف ولكنه فعل فيها بالعدل والزهد الكثير. وبعض حكامنا يبقى في السلطة عقوداً وكلما طال عمره زاد سوءه.حققت فنزويلا في عهد تشافيز نمواً إقتصادياً هائلاً 9’ تقريباً، لعدة سنوات متتالية، واستعاد الملكية العامة لصناعة الكهرباء والهاتف، مع تعويض الشركات الخاصة المالكة دون ظلم لها. ونسبة هذا النمو الاقتصادي من أعلى النسب في العالم.ركز تشافيز على التعليم ورفع ميزانيته إلى 7’، بعد أن كان لسنوات طويلة 2’ فقط لا يتجاوزها، وقضي على الأمية، وقلص البطالة إلى7’، بعد أن كانت 52’، وشيد العديد من المدارس والجامعات.نقصت الفوائد المصرفية في عهد تشافــــيز كثيراً، وارتفــــع الاحـــتياطي من العــــملة الصعـــبة في عهده إرتفــاعاً ملحوظاً.قام تشافيز بتشجيع الزراعة بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي، عملاً بسياسة الاكتفاء الغذائي، وبعضنا يرى استيراد القمح الأمريكي أفضل وأرخص من إنتاج القمح في بلاد المسلمين، وبعضنا يحول الأرض الزراعية إلى مساكن ويحاول زراعة الصحراء.أصبح الانسان الفنزويلي- في عهد تشافيز- هو هدف البرامج الاقتصادية والاجتماعية، وبذلك نقص الفقر إلى النصف، بل وتعدى ذلك إلى الإنسان في أمريكا الجنوبية والكاريبي وأمريكا الوسطى، وهذا طبعاً نوع من التكريم للانسان.استهدفت الخطط في عهد تشافيز، تعزيز البنية التحتية وشق الطرق والسكك الحديد والمترو والجسور والسدود والترع، وأقامت فنزويلا في عهده صناعات ثقيلة منها إنتاج السيارات والتراكتورات والكمبيوترات والهاتف المحمول، بهدف زيادة الإنتاج وانقاص الاستهلاك. كما استطاعت فنزويلا في عهد تشافيز تنويع أسواق التصدير والاستيراد للسلع والمنتجات، وتوسيع دائرة التبادل التجاري مع العديد من دول أفريقيا وأسيا ومنها الصين والهند وإيران وروسيا وبعض الدول العربية.رفع تشافيز شعار التضامن والتعاضد والمساواة في التعامل وعلاقات التعاون والتنسيق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ودون التركيز على جمع الأرباح على حساب لقمة عيش الدول الصديقة أو اللجوء إلى الابتزاز والاستغلال لتلك الدول كما تفعل أمريكا أمريكا وفلسفة النظام الرأسمالي.إقامة العديد من المشروعات والمؤسسات المالية والاقتصادية والاعلامية مع دول أمريكا الجنوبية حتى لا يضطروا إلى مثيلات تلك المؤسسات في الغرب التي تثقل كاهل الدول التي تحتاج إليهم. هذه بعض إبداعات هوجو تشافيز- الرئيس الفنزويلي غير المسلم، وأعتقد أن مثل ذلك هو ما عناه الامام ابن تيمية رحمه الله تعالى عندما قال ’اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً’. وطبعاً العدل ليس في الخضوع أمام الهيمنة أو قبولها ولا الاستعباد، وليس كذلك في الاستعلاء على الآخرين ولا الاستغلال ولا الاستهلاك أو الاستيراد من الأعداء وليس في نص القانون بل في روحه، وليس في الاستثمار من خلال صندوق النقد الدولي وليس في الانحياز إلى الظالم أو الخوف منه. كل شيء يمكن أن يستورد حتى السلاح للأسف الشديد. ’ كاتب مصري