طالعت صفحتي على الفيس بوك وفوجئت بما يشبه المداخلة لأحد اليساريين حول المنظمات غير الحكومية يخلص فيها إلى أن بعض المثقفين واليساريين انجذبوا تحت بريق المال والسفر والبدلات للمنظمات غير الحكومية، التي هي أداة للمستعمر الغربي وأصبحوا في معظمهم أبواقاً للممول الخارجي في صنع ثقافة الاستهلاك والهبوط والتطبيع مستخدمين في ذلك المفاهيم المُصنَّعه لهم من العواصم الرأسمالية. وشعرت أن من واجبي أولاً لتوضيح جملة من الحقائق، التي قد تغيب عن كثيرين ممن يدعون الثورية وأعتقد أنهم انفصلوا عن الواقع لذا افتقروا إلى القدرة على التحليل الموضوعي الذي من شأنه أن يوصل إلى نتائج موضوعية بعيداً عن الاسقاطات الذاتية، ولغرض تصويب البوصلة لمن تاهت بوصلتهم فكرت في تفنيد الادعاءات. فمن حيث التوصيف ليست المؤسسات الأهلية اختراع فريد في عالمنا العربي أو فيما يسمى بالعالم الثالث هذا خطأ ليس له علاقة بالواقع بل هي موجودة في دول العالم كافة، ومنها من هو في أمريكا ويفضح سياسات أمريكا البشعة والظالمة حول العالم ولا سيما ضد العرب والمسلمين، ومنها ما أسس في فلسطين منذ فجر القرن المنصرم. لقد شكلت المنظمات غير الحكومية الفلسطينية الحالة الأكثر فرادة في العالم حيث سبق نشوئها تأسيس السلطة الفلسطينية، والأصل أن تنشأ المنظمات الأهلية في ظل دول مستقلة. وخلال تلك الفترة عملت المنظمات على تعزيز أسباب صمود المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وللتوضيح فالأصل أن المؤسسات غير الحكومية تتكامل في الأدوار مع المؤسسة الحكومية فمثلاً تقوم هذه المؤسسات بدور رقابي يشبه أدوار المؤسسات الرسمية كالمجالس التشريعية وهيئات الرقابة المختلفة تكمل دورها وتلفت انتباهها إلى جوانب من ضعف الأداء أو خروجه عن القانون. وفي الزراعة هناك مؤسسات قادرة على الوصول إلى مناطق لا تصلها الحكومة وفي الطوارئ تقدم الغوث للمزارعين وتقدم رعاية صحية طارئة، وحتى في الثقافة، وهي بذلك وجدت للعب دور تكاملي يسهم في تطوير الأداء وتعزيز الديمقراطية ومحاربة الفساد والتسلط والاستبداد. ولكن لماذا اتسع هذا الدور أنا أعتقد أن مرده لوجود حاجة موضوعية لنشاط هذه المنظمات، وربما يتقاطع هذا مع ما يقول "المثقف الثوري" أنه "ضعف وتراجع المشاريع والقوى الوطنية واليسارية والقومية النهضوية الديمقراطية في فلسطين والوطن العربي". وبدلاً من أن يثير السؤال المهم حول تراجع الدور والضعف الذي وصلت إليه هذه القوى، يقفز إلى الدور الأمريكي الناجح فيشير "المثقف الثوري" إلى "نجح نظام العولمة الامبريالي في ترويج الافكار والسياسات الليبرالية وأوهام السلام المزعوم مع دولة العدو الصهيوني من جهة ولتخفيف بشاعة ممارسات العدوانية الامريكية الصهيونية من جهة ثانية ،شجعت الولايات المتحدة وبلدان النظام الرأسمالي تأسيس وتمويل منظمات NGO’S، في البلدان العربية ( يزيد عددها في الوطن العربي عن 70 ألف منظمة وجمعية !!؟؟" وبعيداً عن مصداقية الرقم المتعلق بالعدد وأنا أشكك فيه كثيراً، فإن هذا المثقف بدلاً من أن يركز على أسباب الفشل - وهذا باعتقادي دور المثقف الثوري - يعزو الأمر إلى النجاح الأمريكي، وهذا استنتاج واستخلاص يعبر عن عقدة ترى في الغربي تفوقاً وتعزو مصائبها لهذا التفوق ولا تعمل على فهم الواقع فهماً يمكّن من تغييره لصالح قوى الثورة ولصالح المسحوقين في المجتمع. فإذا كان السبب حقيقة هو ضعف القوى فكيف يمكن أن تنهض هذه القوى وهل بالإمكان الاستفادة من نضالات ونشاط هذه المنظمات أم لا؟ ثانياً الحكم بأن دور هذه المنظمات هو ترويج أوهام السلام فهذا أمر هو نتاج حكم مسبق لا علاقة له بقراءة موضوعية للواقع في فلسطين الذي يدحض هذا الزعم تماماً، وكل من يرتبط بالواقع ويلمس الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية على اختلاف تخصصاتها يقف على حقيقة مفادها أن المنظمات غير الحكومية كانت من الجبهات القوية في مواجهة الاحتلال وسياسات الولايات المتحدة الأمريكية. كما أنها نجحت في فرض إرادتها وأجندتها على الممول بل وواجهت الممولين في محطات كثيرة، ولكن المحافظة على انتقادها والتشكيك في دورها الوطني ربما يكون تعبيراً عن عقدة نقص لدى قوى فشلت برغم إمكانيات كبيرة كانت متاحة لها في تحقيق نجاحات. وحول حقيقة دور المنظمات غير الحكومية يمكن استحضار الراحل الكبير د. حيدر عبد الشافي - وهو من أصدق اليساريين - الذي كان يقول أن العمل الخيري له ثلاث مهمات رئيسية هي: تثبيت وإظهار الشخصية الفلسطينية في مستواها الاجتماعي والإنساني كالاهتمام بالتراث الفلسطيني وإعداد الأبحاث والدراسات الخاصة بإحياء التراث والفكر الفلسطيني، تثبيت الوجود الفلسطيني عن طريق إقامة المؤسسات والمعاهد والجمعيات التي تثبت وجودنا على هذه الأرض، وتعزيز روح العمل الجماعي في العمل الخيري. وكان عبد الشافي أسس جمعية الهلال الأحمر في قطاع غزة سنة 1972 وكانت امتداداً لجهوده الشخصية في تقديم المساعدة الطبية، حيث كان يسافر لقرى فلسطين قبل عام 1948 ويقدم خدماته الطبية مجاناً. وتجدر الإشارة إلى أن دور الجمعية كان يتجاوز تقديم المساعدة الطبية والغوثية إلى نشاط فكري وثقافي يدعو لمواجهة سياسات المحتل. كما أذكر أنه بتاريخ 26 كانون الأول (ديسمبر)عام 1968، أعلن رسمياً عن تأسيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في الخارج، استجابة للاحتياجات الصحية والاجتماعية للشعب الفلسطيني كافة، ولمواجهة التداعيات الإنسانية للاعتداءات الإسرائيلية على المخيمات الفلسطينية في الشتات، مستلهمة في ذلك التراث الإنساني لجمعيات الهلال الأحمر الخيرية الفلسطينية، التي تأسست في الربع الأول من القرن الماضي في فلسطين، وتلك التي تأسست عقب النكبة الفلسطينية في العام 1948، أي قبل ظهور أمريكا نفسها كقوة إمبريالية. كما تأسست جمعية إنعاش الأسرة في قلب مدينة البيرة عام 1965، بمبادرة خيرة من المرحومة سميحة خليل (أم خليل) رئيسة الجمعية السابقة ومجموعة من زميلاتها. وهي مؤسسة نسائية تعمل في ميدان النضال الوطني في كافة الاتجاهات ومنها الرفع من مستوى المرأة في جميع المجالات لتكون إحدى المؤسسات الاجتماعية التي كان الاهتمام بالمرأة الفلسطينية تثقيفاً وتأهيلاً أحد أهدافها إلى جانب مشاركتها كل قطاعات شعبنا الفلسطيني في ميادين النضال والعلم وتنمية المجتمع لتحقيق أهدافنا الوطنية في التحرر والاستقلال . وجدت في هذا الاستطراد ما قد يعزز ما ذهبت إليه ولكن المجال لا يتسع لاستعراض تأسيس جمعيات الرعاية والإغاثة الزراعية والصحية والمؤسسات الحقوقية والجمعيات الثقافية في فلسطين واستعراض دورها، الذي هو وطني بامتياز، وكان يقوم على مساعدة وتعزيز صمود الفئات المسحوقة في فلسطين، وهذا وحده كافياً ليفرض على أي ناقد أو نقد سلبي قد يوجه لظاهرة المنظمات غير الحكومية يجب أن يتوخى الدقة والموضوعية، ولست أدعي كمال الظاهرة، فهي كغيرها من مؤسسات المجتمع يعتري عملها بعض المثالب ولكنها أبداً لا ترتبط بالأهداف والدور الذي هو وطني بامتياز، ويستلهم قيماً ثورية في مواجهة المحتل، وفي مواجهة الاستبداد بالارتكاز إلى منطلقات مختلفة تماماً عن منطلقات الأحزاب السياسية وإن تقاطعت في تحقيق بعض الأهداف التي يجب أن يسعى الحزب لتحقيقها باستثناء تسييس العمل أو السعي إلى السلطة. والغريب أن الهجوم على المنظمات غير الحكومية الفلسطينية يشكل قاسماً مشتركاً لبعض أحزاب اليسار واليمين والحكم والمعارضة، كما أنها عرضة لهجوم الحركة الصهيونية العالمية التي تنشئ مرصداً لمراقبة عملها ومحاصرة مصادر تمويلها. كما أنها عرضة لهجوم دائم من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بل هي اليوم عرضة لهجوم منظم من قبل الدول الأجنبية والمانحين على وجه التحديد الذين يفرخون مؤسسات دولية تحل محل المؤسسات الأهلية في تقديم الخدمات وبالتالي تجري تقليصات شديدة على تمويل المؤسسات الفلسطينية وفي حالات كثيرة توقف هذا التمويل. وأنا أعتقد أن الإجماع الصهيوني والأمريكي والإسرائيلي وحده يكفي لنفي ادعاءات مثقفنا. وأنا لا أرى غرابة في أن تتقاطع بعض هذه القوى بخلفياتها الأيديولوجية والسياسية في الهجوم على المنظمات غير الحكومية الفلسطينية، في ظل عجز القوى التي تدعي الثورية عن الخلق والإبداع والتخلص من المفاهيم المعلبة، التي لا ترى الحراك والمتغيرات على أرض الواقع وهي منفصلة عن الواقع نفسه. فقد يصح أن في الغرب من فكر في أن المؤسسات الأهلية الفلسطينية يمكن أن تنحاز لمصالح نشطائها أو موظفيها وأن تتخلى عن أجندتها الوطنية والمهنية في الدفاع عن حقوق شعبها الوطنية وفي الدفاع عن الضحايا والفقراء والمهمشين في مجتمعها وهذا لم ينجح بدليل الدور الفعال الذي لعبته المؤسسات في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين وحملات مقاطعة منتجات المستوطنات ...الخ ودون أن ننسى الإشارة إلى نشاطات مقاومة الجدار في الضفة والمنطقة العازلة ومؤازرة الصيادين في غزة، وهي نشاطات تتسم بالمقاومة الشعبية وتعزيز صمود العمال الزراعيين والصيادين فيما يغيب أي فعل شبيه من أي حزب ثوري!!! كما أن هذه المنظمات امتلكت الجرأة في انتقاد بعض مموليها على ازدواجية المعايير في مواقفهم التي من جهة تدعي دعم الديمقراطية ومن جهة أخرى تمتنع عن التصويت على توصيات جولدستون على سبيل المثال لا الحصر. أما كثير من أحزاب المعارضة فتشعر في أنها فقدت دورها التاريخي فهي أبعد ما تكون عن استلام السلطة أو التحرير، ولم تعد تحظى بثقة الجمهور بل إن كثير من محازبيها يلجئون لمنظمات غير حكومية لإنصافهم من ظلم أو طلباً للمساعدة على تلمس سبل العيش، إن كنت حزباً لا تجرؤ على تنظيم مسيرة معارضة لسياسة ما أو لانتهاك ما ضد أي من الحكومتين، إن لم تكن منحازاً للفقراء والكادحين فلماذا تنكر هذا على المنظمات غير الحكومية؟ ولماذا لا تعيد قراءة الواقع وتلمس الأفكار والأساليب التي من شأنها أن تعيدك إلى الواجهة، وبدلاً من أن تصب انتقادك على أداء الحكومات، التي أسست وفق أوسلو وتمويلها مشروط بل ويستخدم في الابتزاز السياسي، تصب غضبك ونقدك على المنظمات، وأنا أفهم أن انتقاد السلطة قد يكون ثمنه أكبر من أن يتحمله "المثقف الثوري" الذي كان يشغل وظيفة عليا في وزارة من وزارات أوسلوا التي أقامت اقتصاداً حراً لسحق الغلابة، ولم تنشأ أي مؤسسات انتاجية، ولم نرى أثراً لثقافة الموظف الثورية في موقفه من السلطة، أليس هذا غريباً؟. ويستفزك من يهاجم وأنت ترى أنه يتناقض مع الممارسة الحزبية لأحزاب اليسار الذي ينتمي إليه في التعامل مع المنظمات غير الحكومية، بل إن كثيراً من قيادات هذه الأحزاب وغيرها من أحزاب اليمين هم في مجالس الإدارة لمنظمات غير حكومية وكثير من اليساريين الحزبيين هم من موظفي هذه المؤسسات وهم يحتفظون بصفتهم الثورية لانتمائهم لأحزاب يسارية أو كونهم جزءاً من قيادتها العليا. فلماذا لا يكون الصراع الفكري حول الموضوع داخلياً وعندما تحسم المعركة الداخلية لصالح رؤية الثوري يتوجه لنقد الظاهرة نقداً موضوعياً يستند إلى حقائق وليس إطلاق التهم جزافاً بل وإطلاق معلومات مغلوطة ليس لها علاقة بالواقع كقضية الرواتب والأجور والدور الانتاجي. وبالنظر لدور المنظمات غير الحكومية على الصعيد الداخلي تثور مجموعة من الأسئلة: من يدافع عن الضحايا ؟ ومن يواجه انتهاكات حقوق الإنسان ؟ ومن يسعى لإغاثة الفقراء والمنكوبين دون التفات إلى لونهم السياسي أو أصلهم الطبقي؟ وهل من حزب اكترث لمساعدة من هم من غير محازبيه؟ وهل من حزب سياسي انبرى لمواجهة الجور والاستبداد في غزة والضفة؟ فليجب مدعي الثورية. بالطبع أنا لا أخلط وربما أشعر بالمرارة وأنا أكتب هذا لأنني أعي أن التغيير رأس الحربة فيه هو الحزب السياسي، وأن المنظمة غير الحكومية لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تلعب دوراً سياسياً وإلا تحولت إلى حزب يتخفى تحت عباءة المنظمات. ويواصل "الثوري" حديثه حول نجاح الأمريكان "نجحت في إغراء وإغواء الالاف من المثقفين الفلسطينيين والعرب الذين استجابوا للمغريات المالية (الدولار) عبر رواتب شهرية تتراوح بين ثلاثة الاف دولار – سبعة الاف دولار عدا مصاريف السفر والاقامة في افخم الفنادق للمشاركة فيما يسمى بالندوات والحوارات النخبوية، وأصبحوا - في معظمهم -أبواقا للممول الخارجي في صنع ثقافة الاستهلاك والهبوط والتطبيع مستخدمين في ذلك المفاهيم المُصنَّعه لهم من العواصم الرأسمالية: الحكم الصالح، الجندر، التنمية المستدامة، الانعتاقية ، حقوق الإنسان، التسوية و"السلام أو التصالح" مع "إسرائيل"، عبثية المقاومة ..الخ فمن يدفع للزمار يحدد له نوع النغمة او اللحن". في البداية أعتقد أنني مطل على رواتب وأجور نشطاء المنظمات غير الحكومية وموظفيها وهي في غالبها الأعم تقل كثيراً عن رواتب الموظفين في المؤسسات الحكومية المدنية والعسكرية، ربما يكون راتب مدير أمضى عشرات السنوات في العمل مرتفع نسبياً ولكنه ليس أكبر من راتب مدير عام أو وكيل وزارة في السلطة، ناهيك عن البدلات والنثريات والسيارات والبنزين المجاني. وهل فكر "الثوري" في أن هذا المدير يمكنه أن يحصل على أضعاف قيمة راتبه لو قرر ترك دوره ونضاله في المنظمات غير الحكومية وانتقل لعمل خاص أو في مؤسسات دولية أو حتى في الحكومة حيث الامتيازات والسفر والفنادق والمرافقة والمواكب وهي كلها لا تتوفر للمناضلين في المنظمات غير الحكومية، الذين يتحملون كل الضغوط ويتعرضون للمخاطر ومع ذلك لا يجبنون ويواصلون دورهم في الدفاع عن الحقوق والحريات، ويحرصون على عملهم هذا في ظل رواتب وأجور متدنية، الآلاف منهم لا يخرجون عن خط الفقر. وكيف يتعارض الثوري مع تاريخه في الحديث عن قضايا يدعي أنها أجندة للرأسمالية وأجندة غربية، أليس اليسار الثوري الذي يسعى لتحرير المرأة وهو رافع لواء نهضتها؟ وأـليس الثوري من يسعى لإحداث تنمية تعود على المجتمع فيحقق العدالة؟ وأليس الثوري من يحارب مظاهر فساد الحكم ويفضحها؟ أليست غاية الثوري هو تحرير الإنسان وصون كرامته؟ لقد فاجأني في هذا وأنا كنت أعتقد أن الرأسمالية تمتهن المرأة، ناهيكم عن غياب أي مؤشرات لنضال مدعي الثورية من كبار موظفي سلطة أوسلو في فلسطين ضد الاقتصاد الحر الذي يترك الفقراء في مواجهة جشع التجار وبقايا الإقطاع في ظل غياب لأي فعل ثوري ضاغط لضمان تدخل الدولة (السلطة) في الاقتصاد، ووقف سياسة الاحتكار. وأخيراً عرفنا أن الثوري هو من يجيد قراءة الواقع من أجل تغييره، وعرفنا أن الثوريين عبر التاريخ تحالفوا مع من هم مقتنعون أنهم أعدائهم في المستقبل من أجل تحقيق أهدافهم ولم يترددوا عن العمل في النقابات الصفراء، فكيف لثوري أن يوجه سهامه لظهور مناضلين ينتصرون لكرامة وحرية شعبهم. وأود أن أذكر أن نشطاء حقوق الإنسان وغيرها من المنظمات غير الحكومية لم يتوقفوا عن العمل في عدوان (الرصاص المصبوب) في تقديم الغوث العاجل والسريع وفي الحفاظ على صوت يخرج مرات عديدة في اليوم ينقل الحقائق بتفاصيلها ويفضح بشاعة الاحتلال فيما غاب الثوريون، ولاسيما المنظرون منهم عن ساحة الفعل السياسي والثقافي والإعلامي تماماً. وهذه المنظمات تعد اليوم لحملة تفضح فيها عنصرية النظام القضائي في إسرائيل وتسعى لتجنيد موقف دولي ضاغط يحاصر دولة الاحتلال ويسعى لتحقيق العدالة لضحايا الجرائم الإسرائيلية. كما أنها الجهة الوحيدة التي واصلت الدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وتحملت العبء المادي والمعنوي طوال الوقت فيما تكون ردة فعل الأحزاب موسمية، ويعنى كل حزب بمعتقليه، وهذه نشطات ليست جذابة للممولين فلو صح أن المنظمات باعت نفسها فكان يجب أن تتخلى عن هذا النوع من النشاطات. وهي اليوم من يحث السلطة والأحزاب من أجل ضرورة المسارعة للانضمام إلى المحكمة الجنائية. وأخيراً أزعم أنني موضوعي ولم أسعى لتقديس المنظمات غير الحكومية وعامليها يوماً، بل قلت دائماً أنها جزءاً من هذا الشعب ويحدث أن يكون في صفوفها من هو مرتزق أو متسلق أو فاسد أو حتى عميل شأنها في ذلك شأن العائلات الكبيرة والأحزاب الصغيرة والكبيرة وشأن الموظفين الرسميين وإن بدرجة لا يمكن أن تقارن. وأختم بأن المثقف الثوري الحقيقي هو من يمتلك القدرة على قراءة الواقع وتفكيكه واجتراح الحلول والأساليب وإبداع الشعارات وصوغ التحالفات التي من شأنها أن تحقق الانتصار لقوى الثورة. وهنا أذكر بأن الثورية لا تعني البحث في الكتب القديمة لماركس وأنجلز ولينين وفورباخ وجرامشي، لأن هذا وحده أفضى باليسار العربي إلى أن يختفي مع الوقت. إن مهمة الثوري هي إعادة إنتاج الأفكار التي تتناسب مع السياق التاريخي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي في مجتمعه بما يعيد الاعتبار لفكرة الثورة، لا أن يحرص على اتحاف الجمهور بما قال ماركس ولينين وغيرهم من كبار المفكرين عن أفكار استنبطوها وطورها ارتباطاً بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لبلدانهم فنجحوا في حينه، ولكن عندما تكلس وتحجر الفكر وتحولت الأحزاب الثورية إلى الدكتاتورية وعبادة وتأليه الزعيم، وعندما تخلى المثقفون الثوريون عن دورهم فشلوا. فيما فشل العرب في إنتاج فكر ثوري يرتبط بواقعهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وكانت أبرز المحاولات الناجحة للمفكرين د. حسين مروة ومهدي عامل. وعليه فإن النقد هو وحده من يدفع إلى التطور شريطة أن يكون نقد علمي مبني على أسس ويستند إلى حقائق، وما عداه ومهما كان وصف صاحبه لا يعدو كونه اسفافاً يخدم من يعتبرهم صاحبه أعداء.