خبر : الخامس عشر من آذار ... في مثل ذلك اليوم ..عاطق ابو سيف

الإثنين 18 مارس 2013 12:48 م / بتوقيت القدس +2GMT
الخامس عشر من آذار ... في مثل ذلك اليوم ..عاطق ابو سيف



شكل الدور المأمول للشباب حافزاً كبيراً لآلاف الشبان والشابات الذين ربطوا الليل بالنهار في الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2011 وهم يخططون لتظاهرة الخامس عشر من آذار الذي اختير كتاريخ بعيداً عن أي دلالة في الذاكرة الفلسطينية المكتظة أجندتها بالذكريات والمناسبات. كان هناك اعتقاد راسخ بأن تحقيق المعجزة ممكن، وان الشبان والشابات الذين يحملون شعلة المستقبل ولأنهم من سيعيشون هذا المستقبل وحدهم يملكون حق التدخل لتصويب مسار هذا المستقبل. ولأن للانقسام بصمات دامغة على أجسادهم وهو يأكل من سني عمرهم ويقتات من أحلامهم ولأنهم الأكثر تضرراً منه، فالساسة يتمتعون بنعم الحياة لا يشعرون بمنغصات الانقسام، وطابور المليونيرات أصحاب الأنفاق يطول وأصحاب الكروش المنتفخة يتكاثرون مثل الجراد الذي غزا البلاد قبل أيام، من اجل ذلك كان على الشباب أن يخرجوا ويصرخوا بأعلى صوت "كفى للانقسام" و"الشعب يريد إنهاء الانقسام". لأن الانقسام هو الدكتاتور الذي يجثم على صدر الشعب الفلسطيني هو الذي يتحكم بهم رغماً عنهم وهو من يكبل حريتهم ويحد من انطلاقهم وبحثهم عن الحرية المنشودة. الانقسام هو الطاغية الذي يقهر إرادة الشعب، وكان يجب أن يخرج الشباب ضده، مطالبين برحيله كي تعود للشعب حريته وكرامته ويستكمل مشواره التحرري الذي ضاق مع الانقسام وصار أصغر من خرم الإبرة. من هنا خرج الشباب في الخامس عشر من آذار ضد الانقسام صارخين بملء الحناجر بأن الشعب يريد إنهاء الانقسام وان النضال الفلسطيني لن يؤتي ثماره طالما كان الشعب منقسماً على نفسه، والحكومة حكومتين والمؤسسة مؤسستين والصوت صوتين والهدف أهدافاً والغاية غايات، عندها على القضية السلام. في مثل تلك الأيام قبل عامين كان هناك حديث وأحلام وتوقعات كبرى من دور كبير سيقوم به الشباب في إنهاء الانقسام وكان الخامس عشر من آذار هو اليوم الأكثر شهرة ربما في الأجندة الفلسطينية وقتها.. اكثر أهمية من موعد لقاء الفصائل وأكثر أهمية من الخطط والبرامج التي يعدها الوسطاء لجمع الفرقاء واكثر أهمية من الخطب العصماء التي يتفوه بها البلغاء واكثر أهمية من كتابات أصحاب الأقلام والأعمدة. كان ذلك يوماً مشهوداً وكان يمكن له أن يكون لحظة فارقة في الحياة السياسية الفلسطينية لو قدر حقاً لآلاف الشبان والشابات الذين خرجوا للشارع أن يشكلوا قوة ضغط حقيقية تفرض إرادة الجماهير في الشارع وتصدر فرماناً شعبياً بإنهاء الانقسام ولا يعودون لبيوتهم إلا بعد أن يتأكد الجميع أن الشيء المجهول المسمى انقسام انتهى للأبد. وكان يمكن للخامس عشر من آذار أن يصبح يوماً آخر من أيام فلسطين لو قدر للشباب وحدهم أن يقرروا مصير البلاد في ذلك اليوم. لم يكن ثمة أفكار كبرى ولا شعارات رنانة، كان المأمول عفوياً وفطرياً ونابعاً من الحاجة ويمكن تلمسه والتقاطه من أحاديث الناس. كانت الكلمات بسيطة والشعارات أقل بساطة لكن الواقع كان أكثر قسوة وأشد فتكاً. ربما صار هذا الآن من أحداث الماضي التي تستعاد بقليل من الحنين مصحوباً ببعض المراجعات وشيء من الندم من باب لو حصل كذا لحصل كذا، لكن من المهم مراجعة الماضي من أجل البحث في سبل بناء مستقبل أفضل وعدم الوقوع في أخطاء هذا الماضي. ربما لم يكن مصير الهبة الشبابية في فلسطين بأقل من نصيبها في بعض البلدان العربية. ففيما نجحت بعض الهبات مثلما حدث في تونس وبعد ذلك في مصر تعثر تفتح أزهار الربيع العربي في أقطار أخرى مثل ليبيا ولم يحسم الأمر إلا بالتدخل الخارجي أو ظل معلقاً كما يحدث في سورية أو داسته دبابات الجيوش مثلما حدث في البحرين. في غزة قمعت المسيرة الشبابية في ساحة الكتيبة وتم الاعتداء على الشبان والشابات وتفرق جمعهم وحظر التجمع لأي غاية بعد ذلك في ساحة الجندي المجهول أو في ساحة الكتيبة. وبذلك انتهي الحلم الكبير الذي كان يراود الشباب بفرصة التأثير والتغيير وتراجعت التطلعات وخبت الروح المتقدة التي نجحت في إقناع الجميع بوجود أمل في التغيير وبفرص تحقيق التحول المطلوب. ومرة أخرى وضعت في أدراج الذاكرة حزمة جديدة من الأحلام لتتكدس عليها أتربة النسيان وتدوسها عجلات الواقع المرير الذي صار أقوى ما في حياتنا وأضيف لغز جديد لألغاز الانقسام الذي لم يعد احد يعرف كيف يمكن حله. كان يمكن لهذا اليوم أن يكون مختلفاً، كان ثمة إيمان كبير بقدرة الشباب على التغير ومقدرتهم على إحداث فرق وتحول في الواقع خاصة أن الإقليم المضطرب دلل على أن للشباب دورا هاما في عمليات التحول التي تطرأ على النظم السياسية العربية التي بدأت تسقط قلاع جبابرتها مثل قصور على رمال. كان جبروت الانقسام اكبر من جبروت الطغاة في البلدان المجاورة وقسوته أشد فتكاً بالمتظاهرين المطالبين برحيله. من المهم مراجعة التجربة وتأمل ما حدث للتعلم منه ولأن وضع اليد على مكامن الخطأ وحده لا يصحح الخطأ فإن ثمة حاجة لبحث الفرص المتاحة من اجل استنهاض دور الشباب من جديد والدفاع عن هذا الدور وتثويره في الحياة السياسية الفلسطينية. ويقع جزء كبير من ذلك على عاتق الشباب وحدهم لأن هذا المصير مصيرهم ولأنهم من سيعيشون المستقبل المأمول. لابد مرة اخرى من المحاولة حتى تعود الأمور إلى نصابها وحتى يستعيد الشباب دورهم في هذا الزمن الهرم الذي يقتات من أحلام الشباب ومن سني عمرهم الواعدة. وحتى يتحقق ذلك لا بد من استعادة الأفكار وتطوير البرامج حتى تعود الروح للفكرة الشابة التي حلمت يوماً بإنهاء الانقسام وبتجسيد الوحدة على الأرض وفي الميدان. وهذا يحتاج لتحضير وعمل دؤوب.