الحملة التي يشنها بعض الاعلام المصري هذه الأيام تثير أسئلة عديدة وتؤشر لماهو خطير بالنظر إلى مضمون تلك الحملة وما تنشره من معلومات يدعي مقدموها صحتها في وقت لم تؤكد أي من مؤسسات الدولة المصرية أي منها. ويخلص المتابع لبرامج ذلك البعض وما يكتبه بأن هناك سعيا واضحا لإخراج قطاع غزة، حماسه، وفتحه، ومواطنيه، عن ما هو اخلاقي وشيطنته وتصوير ساكنيه، بأنهم مجموعة من اللئام الذين يستبيحون خير مصر ويغدرون بها. يثير خطاب البعض هذا، حزنا بالغا وأسىً عميقا بالنظر إلى أنه لايمكن لأحد القفز فوق حقائق التاريخ والجغرافيا ووحدة الدم المصري والفلسطيني التي جبلت بها أرض فلسطين، ولا يمكن لأحد، بعض إعلام أو غيره، أن يجعل من مصر، دولة بعقلية قبيلة أو دولة تتسامح مع دماء شهدائها او مع ما يهدد أمنها القومي. أدمت قلوب الفلسطينيين، ولم تزل تلك الجريمة النكراء، التي ارتكبت في رفح في أغسطس الماضي، والتي سقط فيها 19 من ضباط وجنود الجيش المصري، وهم يستعدون لتناول إفطارهم الرمضاني. إن من خطط للجريمة، وهي إرهابية بامتياز، وأقدم على تنفيذها كائنا من كان، لاجنسية ولادين له، فلا يمكن لمن ينتمي لدين أو وطن أن يرتكب هكذا جريمة. إن خطورة الجرم المرتكب ودلالاته تستوجب ملاحقة من اقترفه ومن أمر بتنفيذه ومن تغاضى عنه. وحيث أن الفلسطينيين الذين عانوا و لازالوا جرائم الاحتلال ومن سقوط الاحبة شهداء برصاص الاعداء، يدركون مدى الغضب الذي يعتمر صدور أشقائهم المصريين ولهم كل الحق في ذلك، وأجزم بأن اشقائنا المصريين، يتفقون بأن بشاعة الجريمة المرتكبة لايمكن لها أن تلغي صوت العقل، لأن غيابه سوف يأخذ الجميع باتجاه التيه واصطناع عداء وتحريض على شعب باكمله وانقلاب على حقائق الدم ووحدته. بغض النظر عما يشاع من معلومات يدعى أن لها علاقة بجريمة رفح، فإن إدانة أي متهم وإصدار حكم بحقه، هي مهمة القضاء الحصرية، وليس بعض إعلام، وهو وحده دون سواه المخول بها، مهما كانت جنسية المتورط أو المتورطين فيها، مصريين كانوا أم هنودا، فلسطينيين أم من جنسية أخرى. إن الجريمة، أي جريمة، هي فردية بطابعها وهي مسئولية مرتكبها او مرتكبيها، ولايمكن بصفتها تلك أن يكون معها مقبولا أو معقولا أخلاقيا وسياسيا وقانويا، إدانة شعب أو قبيلة أو مدينة لحقيقة أن من هو متهم بها قد يكون منتميا لجماعة ما من تلك الجماعات. فهل يعقل، مثلا، أن يتحمل المصريون مسئولية ما ارتكبه الظواهري المصري قائد تنظيم القاعدة؟ أو أن تتحمل مدينة بورسعيد، المدينة المصرية الباسلة، مسئولية دم الأبرياء من مشجعي النادي الأهلي؟ تأكيدا على فردية الجرائم والمسئولية عنها فإنه لا يستقيم إتهام شعب بأكمله أو شعوب بأكملها بجريمة يرتكبها فرد او أفراد. نقول ذلك حتى لا يتكرر مشهد استعداء المسلمين بعد 11 سبتمبر حيث جرى اخراجهم عن دائرة المشروعية الأخلاقية وتم تصويرهم جميعا مصريين وفلسطينيين وعربا بأنهم مجموعة من الارهابيين ومصاصي الدماء وأي منهم هو هدف للتحقيق والتحقير والاذلال لما يمثله من مشروع لإرهابي قد يكون اكتمل أو في طريقه لذلك. إن الإعلام المصري عريق، وطني وعروبي التاريخ والمحتوى، وشكل على مدى العقود سندا ومدافعا عن قضايا العرب جميعها وفي مقدمتها قضية فلسطين، وبالنظر إلى ذلك الدور المشرف فإن بعض الإعلام المصري مطالب بعودة العقل والوعي، وبالكف فورا عن القيام بدور قد يهدد بشكل بالغ وحدة الفلسطينيين والمصريين، دما ونسبا وجغرافيا وتاريخ، وهو ما قد يخلق بما يتركه من تأثير، بيئة تحرض على الانتقام والدم. إن القضاء وحده دون سواه هو المفوض قانونيا وشرعيا، بالنظر في الاتهامات االتي قد توجه إلى متهم ما وفي إدانته وفي إصدار الأحكام، وأي معلومات او اتهامات مهما كان مصدرها فهي برسم القضاء وليس جريدة هنا أو مجلة هناك أو قناة فضائية هنا أو إذاعة هناك.ما حدث ويحدث في سيناء ليس قدريا بل هو مخطط له ومرتبط بما تسعى له دولة الاحتلال من دفع غزة جنوبا وإنهاء مسئوليتها عنه والقاءها في حضن مصر، على الرغم من إدراك الفلسطينيين والمصريين لذلك، وما العبث الأمني في سيناء الذي تسعى لتعظيمه دولة الاحتلال إلا لإظهار ان الدولة المصرية عاجزة عن حفظ الامن فيها وفي الوقت نفسه، تعمل على إعادة إكتشاف هوية مصطنعة لبدو سيناء على نقيض الهوية الوطنية المصرية الجامعة. الخطاب الذي نسمع اليوم يعيدنا مرة أخرى إلى ما حدث ليلة الاحتفال بعيد الميلاد في الاسكندرية وتفجير كنيسة القديسين وسقوط عدد كبير من الأبرياء شهداء وجرحى واتهام فلسطينيين في حادث التفجير دون إثبات أو دليل وهذه الجريمة لم يتم فك لغزها حتى اليوم، وكان على الفلسطينيين أن يدفعوا ثمن تلك الجريمة تحريضا واجراءات وعقاب. تأكيدا على أن أمن مصر يرتبط عضويا بأمن غزة وبأن العكس صحيح، أعيد القول بأن على الجميع فلسطينيين ومصريين معالجة الأسباب وليس النتائج فقط، لاسيما تلك المتعلقة بالذي أوصل الحال إلى ما هو عليه. ليس هناك ما هو أكثر خيبة وتكلفة سياسية من أن تضع نفسك في موضع الدفاع عنها، فوهم السلطة تحت الاحتلال لا بد أن ينتج حالة هشة يجعل معها من المستحيل التنبؤ بأي مستقبل لها ولو لساعات أو أيام. وعليه فإن الخروج من تلك الأزمة العميقة لن يكتب له نجاحا إلا بالاشتباك مع الاحتلال سياسيا وقانونيا وتعظيم الكفاح ضده ولا يعقل أن نبقى تحت تأثير ردود الأفعال إلى ما لا نهاية والأسوأ آت لا محالة إذا بقينا نراوح في المكان. إن بوصلة الفلسطينيين يجب أن تكون واضحة وتؤشر لفلسطين والقدس وباقي اجزاء الوطن ولابديل عن ذلك، توطينا في لبنان أو مشروعا في سيناء، ولاخيار ألا بالاتجاه شمالا والاشتباك سياسيا وقانونيا مع الاحتلال فهو العدو ولا عدو غيره. ليتوقف خطاب الفتنة، فالتاريخ لن يرحم أحدا، وهذا هو الوقت لأن نظهر تضامننا مع أنفسنا، مصريين وفلسطينيين، مدينين للجريمة ومطالبين بالكشف عن المتورطين فيها. وأُذكِّر بأن هناك عدو يرقبنا شاهدا على سذاجتنا. خطاب التحريض أصبح لا يطاق وأرى بأنه لا مبرر لأي دعوات لعقاب الفلسطينيين أو غيرهم، بل العقاب هو بالضرورة بحق من خطط ونفذ هذه الجريمة. ومرة أخرى، أي جريمة في الكون هي مسؤولية من ارتكبها، فرداً كان أم مجموعة من الأفراد. ولا يمكن للفلسطينيين ان يدفعوا ثمن جريمة ارتكبت حتى لو كان مرتكبيها فلسطينيين وهو ما لن يحسم أمره إلا القضاء، مهما أدان أو حرض بعض الإعلام المصري على ذلك. وأنقل ما يعتمل في قلب كل فلسطيني بأن احدنا لن يسامح ولن يغفر، إذا لم يُثأر لنا بسقوط شهداء الجيش المصري الذين هم شهداء شعبنا، قَبِلَ ذلك رموز بعض الاعلام المصري أم لم يقبلوه.