حكومتا “الجمهوريتين” العظميين في الضفة وغزة مصرّتان على الانقسام رغم كل المصائب التي تحل بالشعب الفلسطيني على يد “إسرائيل” ومن يتحالفون معها بشكل مباشر أو غير مباشر . لكن يبدو أن للموت رأياً آخر، فهو يصر على وحدة الفلسطينيين، وإن تعددت أسبابه المباشرة . لم يكد الفلسطينيون يستوعبون خبر استشهاد الشاب محمود الطيطي في مخيم الفوار، حتى جاء خبر أشد مأساوية من غزة . شمعتان بعمر الورد قضيا في حريق داخل منزلهما جنوب غزة، والسبب المباشر احتراق شمعة، حيث إن الشموع ملاذ الغزيين من الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي . ماريا ابنة الأعوام السبعة ونظمي ابن الأعوام الخمسة حوّلهما الحريق إلى جسدين متفحّمين لينضما إلى كثيرين قضوا بالأوضاع ذاتها، ولايزال أشقاؤهما الثلاثة الآخرون يرقدون على سرير العلاج . ويبقى السؤال: من المسؤول عن وضع بات فيه كل بيت في غزة مشروع حريق ومأساة؟ مشيعون للطفلين حمّلوا حكومة “جمهورية غزة العظمى” مسؤولية استمرار فواجع أزمة الكهرباء . آخرون حمّلوا المسؤولية لطرفي الانقسام، لأنه لو لم يكن الانقسام سيد الموقف لما استمر الحصار “الإسرائيلي” العربي الدولي الرسمي على غزة، بل لما كان الحصار فرض أصلاً . لو كان النظام السياسي الفلسطيني موحداً ويقود شعباً موحّداً لما شدّد النظام “الجديد” في مصر حصار غزة، ولما شن حملة غير مسبوقة على الأنفاق التي باتت في ظل استمرار إغلاق معبر رفح، بمنزلة شريان الحياة لأهل غزة . قادة في حركة “حماس” انحازوا إلى شعبهم وتجرأوا على انتقاد النظام في مصر، بل إن أحدهم قال إن نظام مبارك حتى في ذروة سوئه لم يقبل بتجويع غزة . لكن بعض مسؤولي “جمهورية غزة” يفضّل الولاء الأيديولوجي على النطق بالحق والحقيقة، ويدفعه هذا الولاء إلى الدفاع عن حملة النظام الإخواني في مصر على الأنفاق مثلما يدافع عن تمسّك هذا النظام باتفاقية “كامب ديفيد” التي كان يهاجمها إبان عهدي أنور السادات وحسني مبارك . وسط هذا التباين في مواقف المسؤولين في غزة، وفي ظل استمرار الانقسام، يستمر الحصار، ويبقى الحريق التالي في أحد بيوت غزة وتفحّم ساكنيه، مسألة وقت، وسنضطر إلى الحديث عن الظروف والأسباب والولاءات ذاتها . لم نسمع من مصدري “فتاوى الجهاد” في هذا البلد العربي أو ذاك وسبي الحرائر، كلمة واحدة عن كسر الحصار المفروض على غزة والتصدي لجرائم “إسرائيل” التي أخرجها بعض مفتي خريف العرب من قوائم “فرض العين”، لا بل يتنافخ بعضهم مباهاة بالظهور على وسائل إعلامها أو الحديث هاتفياً على ميكروفوناتها . لم يقل المجتمع الدولي شيئاً وهو يرى أطفال غزة يحترقون . وهو لن يقول شيئاً طالما أن أولي الأمر منقسمون وأشقاءهم حريصون على عدم إغضاب “إسرائيل” وأمريكا . لم يصدر موقف من المنظمات الإنسانية الدولية إزاء هذا الحصار الظالم والمجرم والخالي من أية ذرّة إنسانية . وسيبقى أطفال وعجائز غزة يموتون، إن لم يكن بسبب عدم قدرة المستشفيات على علاج المرضى غير القادرين على مغادرة القطاع المحاصر، فباحتراق الشموع أو انفجار مستودعات الوقود المخصص للمولدات المنزلية .