كلنا يتطلع لوطن تسود فيه العدالة وتتحقق المساواة وتقل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وكلنا يتطلع لدول تخلع عنها ثياب الفقر وضعف البنيات التحتية وتعامل مواطنيها وفق قوانين إنسانية، وكلنا نتوق إلى التمسك بتراثنا ونعشق هويتنا الإسلامية ونتفق على أن الإسلام هو ديننا كمسلمين، ونعترف بحق كل من يعتنق ديانة تختلف عن ديننا، فالجميع يتساوى أمام سلطة القانون ولا ينتقص انتماؤنا الديني من حقنا كمواطنين. هذه حقائق نقر بها وينبغي أن ندفع نحو قبولها لكي يضمن كل منا حقه. واليوم وبعد التحولات العربية أو ما يسمى «الربيع العربي»، يحق للجميع أن يتساءل إلى أين نتجه؟ سوريا تندفع بقوة كبيرة نحو المجهول، ولا نعرف كيف سينتهي المشهد السوري وإن كنا نتفق على أن من حق كل السوريين أن ينعموا بوطن يسوده القانون، وتصبح المواطنة فيه هي المرجعية وليس الانتماء المذهبي أو الفكري الذي يحاسب عليه المواطن. وما يبعث على القلق هو ما ظهر من جماعات تنتمي لأحزاب دينية أخذت في بسط نفوذها في إدارة بعض من المناطق المحررة، والخوف مبعثه أن هذه الجماعات نصبت نفسها في موقع المسؤولية، وهي اليوم تقاضي وتحاكم وتسيّر الأمن كما تدعي، ولا نعرف كيف سيكون الحال بعد انهيار النظام؟ وكيف سيعيش الكل في طمأنينة في ظل الوضع السوري المعقد؟ من المؤكد أن سوريا مقبلة على مواجهات بين القوى المختلفة، ويخشى أن تقع تصفيات بين أبناء الوطن الواحد. والخوف أن يبرر القتل والتدمير بدعوى الخروج عن الشريعة الإسلامية، أو أن تحدث المواجهات تحت راية الثأر، وهذا ما يجعل القلق يتضاعف لكون الدعوة التي يطلقها معظم من يناهض النظام الحالي هي أنه يريد أن يحقق العدالة الغائبة ويدفع بالتنمية وينهض بسوريا. ولكن بعض ما يبدو لنا يثير الكثير من المخاوف، ويجعلنا في حالة من الشك في جدية بعض الشعارات المرفوعة، فالناس لا تريد استبدال ديكتاتور بآخر. وفي مصر قيل إن النائب العام منح الحق للمواطن في القبض على أخيه المواطن لو وجده يقوم بفعل مخالف للقانون، وهنا نتوقف لنستغرب هذا الحق المطلق الذي يمنح لمواطن دون تحديد هويته في القيام بدور رجل الشرطة! بينما نحن نتحدث عن دولة مؤسسات يحكمها القانون! ونواجه بقرارات مخيفة تصدر عن ركن من أركان الدولة! والمقلق في الأمر أن حزب «الإخوان» الحاكم يحاول أن يبسط نفوذه، وأن يندفع نحو تقييد الحياة المدنية. وفي تونس تردد أن شكري بلعيد المناضل اليساري التونسي اغتيل من أحزاب دينية، وفي الوقت نفسه تشهد تونس حالة اضطراب، وتصدر الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير «إيفكس» بياناً تطالب فيه الحكومة التونسية بحماية حق التعبير وضمان سلامة المفكرين والكتاب. وجاء البيان رداً على التهديدات المستمرة التي تلاحق كل من يختلف مع حزب «النهضة» التونسي الذي هو جزء من منظمة «الإخوان المسلمين» العالمية. فخطاب الكراهية ينتشر بمباركة، وإن كانت غير ظاهرة، من الأحزاب الدينية، وهذا ما يجعلنا نقلق ونشعر بالخوف مما هو قادم في سوريا. وعندما نسلط الضوء على مثل هذه الأحداث، إنما نسعى لكشف الأوراق والمواجهة مع مثل هذه التنظيمات التي ترفع شعار الإسلام وتمارس على أرض الواقع ما يثير الريبة. فالخلاف اليوم هو حول ما تحمله هذه المدارس من أفكار لا تمت للإسلام وسماحته بصلة، ولا تعمل على النهوض بالأمة كما تدعي.