الوظيفي بين الجيش والشرطة غالباً ما ينتهي إلى خسارة مزدوجة، فلا يكون هناك أمن واستقرار داخلي كما لا تتحقق السيادة على الحدود الإقليمية . ويحدث مثل هذا التبادل الاضطراري في حالات قد تكون استثنائية، كأن يعجز الأمن وأجهزته عن الضبط وتماسك الجبهة الداخلية لأية دولة، وقدر تعلق هذه الظاهرة بمصر فقد حدث أن غادر الجيش ثكناته مرات عدة، وهناك حكاية معروفة في هذا السياق عندما نزل الجيش إلى الشارع بعد تمرد من أفراد الأمن حين كان المشير أبو غزالة يتولى القيادة العسكرية في مصر، وما يجري في مدن القنال الثلاث، وبالتحديد في بور سعيد، يبدو كما لو أنه عيّنة تجريبية ينوب فيها الجيش عن الشرطة . فبعد التظاهرات وحظر التجول الذي اخترقه وأبطل مفعوله المتظاهرون، وبعد العصيان المدني انسحبت الشرطة من مواقعها في المدينة وسلّمت مفتاح الأمن للجيش، وفي حال تكرار هذه التجربة في مدن أخرى يكون الجيش المصري قد بدأ ينوب عن أجهزة الأمن لحماية المواطنين ومرافق الدولة، وبذلك يكون ما قاله الفريق عبدالفتاح السيسي قبل أسبوعين عن تدخل الجيش لحماية الدولة إذا تطلب الأمر قد أصبح قاب مدينتين أو أدنى من التنفيذ، وهذه مناسبة لطرح سؤال مؤجل عن شحة الدراسات الجادة عن تشكل الجيوش العربية في الدولة الحديثة بدءاً من الاستقلال . وفي مصر، باستثناء ما كتبه الراحل د . أنور عبدالملك ومذكرات الجنرالات وبعض المقالات بقي الجيش كمؤسسة وطنية تناط بها حماية البلاد والعباد معاً في الظل، رغم أن تجربة محمد علي باشا في بناء الجيش وتحديثه في مصر من النماذج البارزة في آسيا وإفريقيا معاً . وقد يترتب على دراسات معمقة وتفصيلية وبنيوية عن تشكل الجيوش فهم ما يحدث الآن، سواء في مواجهة غزو خارجي أو حالات من العصيان والتمرد الداخلي . فأن ينوب الجيش عن الشرطة لحفظ الأمن والاستقرار تلك مسألة بالغة التعقيد، وفيها من المحظورات ما يهدد وظيفته الأساسية على الحدود وفي مواجهة التحديات الخارجية والعدوان، هذا إضافة إلى أن الثقافة العسكرية الكلاسيكية للجيوش مغايرة لثقافة الشرطة وأجهزتها، ولكل جيش عقيدة قتالية توجه بوصلته الخضراء . التبادل الوظيفي في هذا السياق مجازفة، ولا بد أن ينتهي بأن يضع الجيش يده على السلطة بعد أن وضعها على الزناد، سواء كان ذلك استجابة لتطلعات عسكرية مشوبة بقدر من السياسة، أو لأن الأمر الواقع يفرض هذا الخيار . وهذه أيضاً مناسبة لإعادة النظر في شكلين من أشكال الإسقاط والتفكيك، أولهما يتعلق بنظام حكم، سواء تمثل في حزب أو طبقة سياسية، والثاني هو إسقاط الدولة، فالدولة والنظام ليسا دائرتين لهما محيط واحد حتى لو كان لهما مركز واحد، فالنظم قابلة للاستبدال عبر فترات انتقالية يتخللها عدم الاستقرار لكن لأمد محدود، لكن تساقط الدول معناه باختصار تفكيكها والتورط في فراغ ليس من السهل ملئه، ومن سمات تفكيك الدول هذا التبادل الوظيفي بين مؤسستين تتكاملان، لكن لا تنوب واحدة منهما عن الأخرى .