لمرة غير معلوم عددها، وربما لا يتذكر عددها أعضاء وكوادر من الحركة، أقدمت قيادة "فتح" في الأيام الأخيرة على إجراء تغيير واسع في الهيئة القيادية لإقليم غزة، في المرة التي سبقت قيل إن الهيئة القيادية تميزت بحضور أكبر للكوادر الشابة، أما في هذه المرة، فعودة إلى القيادات "التاريخية" ذات التجربة الطويلة في الهيئات القيادية. وبما أن حركة فتح لا تزال تلعب دوراً قيادياً رئيسياً في منظمة التحرير وفي الشأن الفلسطيني العام، وفي رسم الاستراتيجيات والخيارات، وفي اتخاذ القرارات فإن الحديث عن شؤونها سلباً وإيجاباً لا يمكن أن يكون حصراً على أعضائها ولا يمكن أن يُحال إلى تهمة التدخل في شؤونها الداخلية. قديماً قال رواد "فتح" إن حركتهم هي حركة الشعب الفلسطيني، وهي لا تزال تحظى بهذه السمة، رغم كل التغيرات التي وقعت في المشهد السياسي الحزبي ورغم كل المتغيرات التي أصابت الحركة.إذا كان ثمة من يقول إن الحركة بركة، فإن الحركة التي تجري في إطار حركة فتح، ليس فيها أي بركة، وهي مؤشر على عدم الاستقرار، وعلى ضعف الوحدة الداخلية وربما أكثر من ذلك.ومع احترامنا الشديد وتقديرنا لنضالات وقدرات أعضاء الهيئة القيادية الجديدة في قطاع غزة، إلاّ أن المسألة تتجاوز الأفراد، وتتجاوز بالتأكيد الأبعاد الشخصية والأخلاقية.في كل مرة جرى فيها تغيير الهيئة القيادية للحركة في القطاع، وتغيير المفوض العام، كانت هناك آثار جانبية، وكانت هناك اعتراضات وخلافات أدت في نهاية المطاف سلسلة التغييرات التي تحدثنا عنها، ولم تؤد في أي مرة إلى استقرار وتواصل نسبي، يجعل بالإمكان الحكم على تجربة القيادة المعنية. في هذه المرة، أيضاً، ثمة من أعلن احتجاجه وانسحابه من الهيئة القيادية الجديدة، ما يعني أنها تعاني خللاً بنيوياً منذ اللحظة الأولى لتشكيلها، الأمر الذي قد يعرضها ولو بعد حين للتغيير، أو الخوض في مشكلات داخلية تستنزف طاقاتها.أزمات حركة فتح لا تظهر فقط في قطاع غزة، وإنما ظهرت على نحو علني وواضح في الضفة الغربية، وبشكل محدد أكثر، حين جرى تأجيل الانتخابات المحلية لأكثر من مرة، وكان السبب المرجح، هو عدم قدرة الحركة على توحيد صفوفها، وخوض الانتخابات بقوائم موحدة تمثل الحركة. وحين خاضت الحركة معركة الانتخابات فعلياً، عانت الحركة من ترشيح قيادات وكوادر لأنفسهم من خارج القائمة المركزية، وبدون رضى القيادة، بل شكل ذلك تحدياً لقرارات اللجنة المركزية التي هددت باتخاذ إجراءات عقابية شديدة بحق المخالفين لقرارها، الأمر الذي أثر سلبياً على النتائج التي حصلت عليها الحركة في تلك الانتخابات.لسنا بصدد التعرض لطبيعة الأزمة، أو المشكلات التي تعاني منها حركة فتح، التي انتظر أعضاؤها وكوادرها والوطنيون الفلسطينيون أن يشكل انعقاد مؤتمرها السادس بعد عشرين عاماً من مؤتمرها الخامس، محطة هامة للنهوض بأوضاع الحركة، وإعادة رص صفوفها ونحو تأكيد دورها القيادي غير أن المؤتمر ونتائجه، وما جاء بعده يشير إلى أن مشكلات الحركة تتسع، وتتعمّق آثارها السلبية.فيما يتعلق بتنظيم الحركة في القطاع، فإن الأزمة ليست بالضبط في طبيعة الأفراد الذين تتشكل منهم الهيئات القيادية، وإن كان ذلك مظهراً من مظاهر الأزمة، التي تذهب إلى طبيعة الدور الذي تلعبه الحركة في القطاع، والدور الذي تريد لها اللجنة المركزية أن تلعبه في ضوء الانقسام الفلسطيني.هنا يحصل الضياع الكامل، فلا القيادة العامة للحركة تبدي الاهتمام اللازم بدور إقليم غزة، ولا قيادة إقليم غزة تعرف ماذا عليها أن تفعل. المشكلة مشكلة غياب البرنامج وغياب الهدف، وغياب القدرة على الفعل والنشاط والحركة بما في ذلك الحركة والنشاطات الاجتماعية. حركة فتح التي تعوّدت أن تعمل من موقع القيادة الرئيسية والأساسية للشعب الفلسطيني، لا تستطيع التكيف مع وضعية مختلفة ترى فيها لنفسها دوراً مختلفاً في إطار المعارضة.في قطاع غزة، تنظيم حركة فتح، يعمل كتنظيم معارض حيث تسيطر حركة حماس على النظام السياسي في القطاع، ولكنها لا تستطيع لعب دور معارض حتى بالحدود الدنيا. إن أفضل وصف لوضع الحركة في القطاع منذ وقوع الانقسام، هو أنها "كيس ملاكمة"، حيث كان عليها أن تتحمل، وفقط أن تتحمل تبعات السلوك الحمساوي الفظ والقمعي تجاهها. بعض المتابعين للشأن الفلسطيني تاريخياً وعن قرب، قال، إن الحركة في قطاع غزة، كانت تتميز بوجود كتل وجماعات وولاءات، وكان من السهل أن يتوصل زعماء الكتل إلى اتفاق حد أدنى يضمن للحركة مواصلة دورها، ولكن الأمر في هذه المرحلة مختلف كلياً حيث أصبح على قيادة الحركة أن تلملم شتاتاً. وعدا عن ذلك لم يعد سراً، الحديث عن ضعف ومحدودية الموازنات المخصصة للتنظيم في قطاع غزة، وهو أمر يتحدث به، ويشكو منه العديد من قياديي وكوادر الحركة.أخيراً ربما يرى البعض أن طبيعة الحركة تشبه الإسفنجة وأنها قادرة على التعايش والتواصل مع مثل هذه الظواهر، فإن كان ذلك صحيح بمعنى نسبي فإن الأصح، هو أن تبادر قيادة الحركة إلى عقد مؤتمر وطني جديد، يعيد لفتح، وهجها، ووحدتها ودورها القيادي.