لقد سجّل التاريخ المعاصر ثورة من أكثر الثورات سلمية في العالم، إنها ثورة الخامس والعشرين من يناير، تلك الثورة التي توقّع معظم الخبراء والمحللين في العالم أن تأخذ مصر نحو مستقبل سيؤهلها لقيادة المشروع النهضوي العربي، إلا أن مرحلة الانتقال الديمقراطي تشهد من الحين إلى الآخر أعمال عنف وبلطجة، وإضرابات واعتصام، وانفلات إعلامي هنا وهناك، وتدهور اقتصادي وأمني كبير، وأزمة ثقة بين الأحزاب والنخب، وتدخلات إقليمية ودولية في المشهد المصري. إن مصر الكبيرة، صاحبة الثورة العظيمة، تحتاج إلى قيادة حكيمة، وقوية، وقرارات جريئة، لأن انهيار الدولة المصرية هو انهيار للأمة العربية والإسلامية، وهذا يضع الرئيس مرسي أمام مسئوليات كبيرة، وخيارات محدودة للخروج من عملية الانتقال الديمقراطي نحو الاستقرار والإنتاج. فما هي خيارات الرئيس مرسي...؟ وما هي أبرز التحديات التي تعترضه وسبل الخروج منها...؟ أولاً: خيارات الرئيس محمد مرسي لتجاوز الأزمة تتمثل فيما يلي.. 1- الحل السياسي: وهو الخيار الأمثل وينطلق هذا الخيار من استثمار مؤسسة الرئاسة لقرار محكمة القضاء الإداري، بوقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية رقم 34 لسنة 2013م، القاضي بدعوة الناخبين لانتخابات مجلس النواب مع ما يترتب علي ذلك من وقف إجراء انتخابات مجلس النواب بمراحلها الأربع المزمع إجراؤها يوم 22/4/2013م، وإحالة قانون انتخابات مجلس الشعب للمحكمة الدستورية للفصل في مدى دستوريته. وبذلك تستطيع مؤسسة الرئاسة وحزب الحرية والعدالة لطرح مبادرة سياسية للدعوة للحوار على أساس مبادرة حزب النور، والتي توافق معظم الأحزاب على غالبية بنودها، وربما تحفظت مؤسسة الرئاسة على بند إقالة حكومة الدكتور هشام قنديل، وكان في حينه هذا التبرير مقبولاً لقرب موعد انتخابات مجلس الشعب، ولكن بعد هذا القرار بات واضحاً أن انتخابات مجلس الشعب تحتاج لمزيد من الوقت، وبذلك مصر بحاجة إلى حكومة توافقية لإخراجها من هذا النفق المظلم. 2- الحل الأمني: يتمثل هذا الحل بانتهاج الأسلوب الأمني للتعامل مع الحالة السياسية، وهذا التعامل سيزيد من حجم الهوة بين النخب السياسية والأحزاب، وسيجعل من مصر بيئة خصبة للتدخل الإقليمي والدولي في شؤونها الداخلية، ومن الممكن أن تتدهور الحالة الأمنية بما يدفع مؤسسة الجيش للتدخل والسيطرة على البلاد، وهذا سيكون له انعكاسات خطيرة على التحول الديمقراطي في مصر، وسيؤثر على صورة مصر أمام المجتمع الدولي، ولكن في المقابل في حال نجحت الدولة بالحل السياسي التوافقي، تنكشف عورة كل العابثين بأمن واستقرار مصر من الداخل أو الخارج، وهنا سيكون الحل الأمني هو المرتكز الرئيس للتعاطي مع شريحة المجرمين حسب القانون. 3- الحل الاقتصادي: لا يمكن لمشروع النهضة أن يسير للأمام دون حل سياسي للأزمة، وهنا تقع المسئولية المباشرة على مؤسسة الرئاسة، لأنه لا يمكن لحزب واحد أن يقود عملية تطور اقتصادي في بلد منهك مثل مصر، ولذلك على الرئيس مرسي العمل الجاد لمشاركة معظم قطاعات وشرائح الشعب المصري في عملية بناء مصر، وفي تجاوز الانتقال الديمقراطي، وكشف نوايا المعارضة أمام الرأي العام في حال رفضت المشاركة بعد تلبية معظم مطالبها السياسية، وهنا سيؤكد الرئيس محمد مرسي بأنه رئيس لكل المصريين، وسينعكس ذلك إيجاباً على المناخ الاستثماري في مصر، وستعود عجلة الإنتاج للدوران من جديد. ثانياً: أبرز التحديات التي تعترضه وسبل الخروج منها على الصعيد الداخلي فالتحديات على النحو التالي: 1- من أبرز التحديات التي تواجه الرئيس محمد مرسي هو الجهل والفقر، وظاهرة أطفال الشوارع الذين يمثلون نواة العنف داخل المجتمع المصري، وللخروج من ذلك لابد من قرارات اجتماعية واقتصادية لمعالجة تلك المشاكل الصعبة. 2- أزمة الثقة بين القوى السياسية والحزبية. 3- سيطرة فلول النظام السابق على مفاصل النظام السياسي في مصر. 4- الانفلات الإعلامي، والذي يحتاج إلى ميثاق شرف لضبطه. 5- دخول الأيديولوجيا على خط العمل السياسي داخل مصر. أما على الصعيد الخارجي: 1- إسرائيل صاحبة الدور الرئيس في بقاء مصر مترهلة، وضعيفة، لأن ذلك يخدم الأمن القومي الإسرائيلي. 2- رغبة بعض الدول الخليجية بعدم استعادة مصر لدورها المركزي في المنطقة، ورغبتها في إفشال تجربة الربيع العربي، حتى لا يتم تصدير الثورة لبلدانهم. 3- الخلاف الأيديولوجي بين النظام السياسي الحاكم في مصر وبين بعض النظم السياسية الأخرى. إن الخروج من عنق الزجاجة يتطلب إجراءات سريعة وقرارات حاسمة من قبل مؤسسة الرئاسة لاستعادة الوحدة الوطنية ومشاركة الجميع في القرار السياسي والاقتصادي، وحينها من يرفض ركوب السفينة ستبتلعه، أمواج البحر الهادر.