نحن أمام أزمة تتفاقم بسرعة غير طبيعية، فالمشهد المصري يحكي لنا أزمة الحكم لدى «الإخوان المسلمين»، وهو تأكيد على خطورة الوضع ليس في مصر وحدها، وإنما انعكاساته العربية والدولية. نحن نعرف بأن هناك تحولاً سياسياً كبيراً، وأن حركة «الإخوان» تحكم مصر وهي في قمة هرم السلطة، إلا أن الممارسة على أرض الواقع تجعلنا نستغرب الخلط بين الانتماء للحزب ومنصب الرئاسة. فمن يحكم مصر، يجب أن يكون رئيساً لكل المصريين، وليس ممثلًا لحزبه في البرلمان على سبيل المثال. وهذا ما يجعلنا نقلق على أخلاقيات العمل السياسي الحزبي في المنطقة العربية. الوضع مقلق في مصر، وما يجعلنا نضطرب ونشعر بالخوف هو أن يلتقي المسؤول جماعته السياسية ليخطب فيهم، وكان عليه أن يخاطب من مكتبه جميع المصريين، فهو لا يمثل حزبه، وهنا الخلط الكبير الذي يبدد البوصلة في إدارة الحكم. وعد الرئيس بحل مشاكل مصر خلال 100 يوم وكان وعده ينمى عن عاطفة، وليس عن حل حقيقي لطبيعة المشكلة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها مصر، حيث إن تراكم الأزمات وتصاعدها أديا إلى الوصول إلى حالة مخيفة تهدد البناء الاجتماعي للمجتمع والدولة، وأن الحلول ليست بشعارات اعتادت حركة «الإخوان» أن ترفعها وتضلل الشارع. فاليوم تواجه مصر مصاعب وعليها التعامل معها ضمن شبكة العلاقات الدولية التي تخرج عن دائرة الشريعة بمفهومها الضيق. عندما زار رئيس الحكومة التركي مصر وخطب وقال بكل وضوح إن المهمة صعبة، وإن على القيادة السياسية المصرية أن تعي خطورة الخلط بين ما هو ديني وما هو مدني، وكان واضحاً في رسالته حول أحقية الدولة المدنية التي تضمن التعايش للجميع وبصرف النظر عن توجهاتهم وانتماءاتهم. ولعل محاولات شيخ الأزهر، تأتي في مكانها عندما يرسل برسائل واضحة تؤكد أهمية تعقيل الخطاب الديني، وألا تنجرف القيادة السياسية نحو الدفع بفكر بعينه لكونه يحمل الحقيقة كاملة، وألا تخضع المساجد للأحزاب الدينية وتوجهاتها السياسية. وذلك لخطورة الأمر على تنشئة الأجيال وغرس أفكار حزبية غير مرتبطة بالدين الإسلامي. الملفت للانتباه ما قاله مرسي في اجتماعه مع رجال الأعمال عندما قال اعتبروني رئيس الحكومة وهو تأكيد للخلط الذي تعيشه مصر. فرئيس الحكومة له مكانته ومسؤولياته يحددها الدستور، إلا أن من يتابع المشهد المصري يرى كيف أن رئيس الحكومة مهمش، ويؤكد مقولة سيطرة الجماعة على الإدارة، ولعل حالة الاضطراب التي تعيشها مصر مرجعها هذا الخلط بين توجهات الجماعة كتنظيم سياسي، وبين رئاسة الدولة باعتبار منصب الرئاسة يمثل جميع الأطياف. هناك أزمة حقيقية تعيشها مصر، ومصدرها قصور النظر لدى حركة «الإخوان» التي سيطرت على مفاصل الحكم دون مراعاة لقواعد تقاسم السلطة، والأزمة تتصاعد في ظل غيبة العقل الذي من الواضح أن هم الجماعة هو مزيد من الاستيلاء على مفاصل الحكم، مما يدخل مصر إلى مزيد من المتاهات ويضاعف متاعبها ومشاكلها ويوتر علاقاتها بدول الجوار. وأما استمرار استخدام حجة الأمس التي كانت دائماً ترفع كشعار بأن حركة «الإخوان» هي الإسلام ومن يعارضها ويختلف معها فهو خارج عن الملة فهي لم تعد حجة فاعلة، فالأوراق كلها انكشفت، ومصر بحاجة إلى ترشيد السلطة، وإلى برامج عملية تحقق مطالب كافة الفئات الاجتماعية دون الانحياز لفئة دون أخرى.