ستكتشف الشعوب العربية، وبأسرع مما يعتقد البعض، بأن تيار الإخوان المسلمين ليس بأفضل من أنظمة البؤس التي أزاحوها بآلاف الشهداء والجرحى. لذلك لا يجب أن يستعجل البعض سقوط الإخوان لاختلافه معهم أيديولوجياً أو سياسياً، ويجب أن يعطى هذا التيار كامل الفرصة حتى يكتشفه الناس على حقيقته.. كتيار لا "يجاهد" فقط من أجل السلطة، ولكن لا يمانع أيضاً في أن يرتكب جميع المحرمات التي مارستها الأنظمة الدموية القديمة بهدف الاستمرار في الحكم. هذه النتيجة لن يصل إليها الناس إذا تم الانقلاب على "حكم" الإخوان، لأن الانقلاب يعطيهم صفة الضحية.. والضحية تحصل على التعاطف كتحصيل حاصل.. ومن الأفضل للمجتمعات العربية، أن يرحل الإخوان مثلما جاؤوا.. عبر صناديق الاقتراع. مهمة القوى الثورية إذاً، ليست إسقاط الإخوان في الشارع قبل انتهاء ولايتهم، ولكن تنظيم الناس وطرح البدائل لسياسات الإخوان، ومن ثم، إسقاطهم في الانتخابات. دعونا نأخذ "حماس" نموذجاً. عندما فازت "حماس" في انتخابات العام 2006 التشريعية، كنت من الداعين لإعطاء "حماس" كامل المسؤولية للتصدي للملف السياسي والاقتصادي المرتبط بالسلطة. قناعتي كانت: إن تمكنت "حماس" من إقناع الناس بالتعاطف معها بعد "حجب" أموال الدعم الأوروبية والعربية عن حكومة "حماس"، فهذا يعني أن الناس أو غالبيتها على استعداد لدفع الثمن مقابل حماية برنامج "حماس" السياسي.. وإن كانت الناس رافضة لبرنامج "حماس" السياسي، وكان هذا تقديري، فإن الناس ستتخلى عن "حماس" في الانتخابات القادمة. لم يكن ضمن تفكيري أن هنالك خياراً ثالثاً.. وهو أن "حماس" ومن أجل الحفاظ على سلطتها المكتسبة في الانتخابات، ستتخلى عن برنامجها.. وهي حالة نشاهدها اليوم في تونس ومصر. هذا الخيار لم يجر اختباره للأسف بسبب الرغبة الأميركية والإسرائيلية في إبعاد "حماس" عن السلطة بأية طريقة، وهو ما أدى إلى الصدام في غزة، وسيطرة "حماس" عليها.. وبدلاً من أن تحكم "حماس" لمدة أربع سنوات ثم تجرى انتخابات جديدة، في أغلب الأحوال كانت ستؤدي إلى هزيمتها بسبب غياب البرنامج السياسي لها (شؤون مدنية ومقاومة!) مصحوباً بفشل اقتصادي أقله العجز عن توفير رواتب الموظفين، بقيت "حماس" تحكم نصف الوطن إلى اليوم.. ليس أربع سنوات.. بل سبعاً، وليس من المؤكد بأن رحيلها قريب على الرغم من أن غالبية كبيرة في غزة اليوم لا تريد "حماس" بعد أن اختبرتها. من واقع تجربة "حماس" في فلسطين يمكننا التعميم: الإخوان عشاق وطالبو سلطة مثلهم مثل الأنظمة القديمة التي حلوا محلها. لا نستكثر عليهم هذا "العشق" فهم في نهاية المطاف تنظيم سياسي، ولا قيمة لأي تنظيم إن لم يكن هدفه السلطة. لكننا في نفس الوقت ندين آليات عملهم.. ابتداءً من تكفير من يختلفون معهم، مروراً بقيامهم باستخدام نفس آليات عمل الأنظمة القديمة سياسياً واقتصادياً، وانتهاء بأكذوبة أنهم يريدون السلطة ليس محبة بها ولكن لإرضاء الله.. "هي لله هي لله"، شعار يردده الإخوان في كل مظاهراتهم ومسيراتهم.. شعار يعكس زهدهم بالسلطة، وأن الطمع بها لا يأتي على خلفية دنيوية بذيئة.. معاذ الله.. ولكن طمعاً بثواب الآخرة. اليوم يدرك من انتخب الإخوان في تونس ومصر وفلسطين بدافع أن هؤلاء لديهم "خشية من الله" أكثر من غيرهم، بأن هذه المقولة ليست أكثر من أكذوبة، وأن الإخوان في الحكم، ليس مثل الإخوان خارجه. الإخوان في الحكم عليهم أن يقرروا كأي سلطة حاكمة أن يجب وضع موارد الدولة.. وهو قرار مرتبط بمسألتين: الأولى أي نهج اقتصادي يريدون (اشتراكي، رأسمالي، مختلط).. والثانية، ما هو شكل العلاقات التي يريدونها مع الغرب ومع العرب (تعاون، صدام). في المسألة الأولى، الإخوان أقرب فكرياً للنظام الرأسمالي، وهم لا يرون جريمة في وجود أغنياء وفقراء، والعدالة الاجتماعية بالنسبة لهم لا تتجاوز إطعام الفقراء من أموال الزكاة.. أما القضايا المرتبطة بالعمل والتعليم والعلاج والمسكن الكريم فهي ليست جزءاً من فهمهم للعدالة الاجتماعية. لذلك لا يجد الإخوان حرجاً في تبني سياسات السوق مثلما تبنتها الأنظمة القديمة من أجل ضخ الاستثمارات للبلاد مع ما يرافق ذلك من قروض ورفع أسعار وتقليص في أعداد العاملين. وهي سياسة اقتصادية يمكن للناس قبولها عندما تكون في وضع اقتصادي مريح نسبياً، لكنها سياسة تثير النقمة في وضع فيه نصف السكان تحت خط الفقر مثل مصر.. بمعنى لا يوجد لديهم ما يعتمدون عليه لإدارة حياتهم اليومية خلال سعي النظام لجلب الاستثمارات. لهذا السبب بالذات، لم تتوقف الاحتجاجات في مصر وتونس منذ تولى الإخوان مسؤولية الحكم. الناس خرجت ثائرة على نظام بن علي ومبارك لأنها لم تعد قادرة على الاحتمال.. فلماذا ستعطي الإخوان فرصة إن كانت سياساتهم ستزيد في بؤسهم مثلما كان الحال سابقاً. العلاقة مع الغرب والعرب ليست مسألة تكتيك.. للغرب مصالح واضحة في المنطقة.. تحديداً البترول، إسرائيل، المعابر البحرية، والأسواق العربية. المسألة هنا ليست في التعهد للغرب بحماية مصالحه من أجل الحصول على الشرعية منهم مثلما كانت تفعل الأنظمة القديمة.. أو في الصدام معهم وخلق حالة تضطر فيها الدول الواقعة تحت حكم الإخوان إلى تسخير موارد البلدين بعيداً عن التنمية وهو أولى أولويات هذه الدول.. ولكن المسألة هي في أخذ مصالح تونس ومصر والعرب بعين الاعتبار عندما يتم التعامل مع مصالح الدول الغربية. الأنظمة القديمة لم تكن تفعل هذا.. أنظمة الإخوان لا تفعله أيضاً.. مثلاً: أنفاق غزة تغلق قبل فتح معبر رفح! العلاقات مع إيران ما زالت مقطوعة مثلما كانت في السابق! الدعم للقضية الفلسطينية أقل مما كان سابقاً! في سيناء ترتع جماعات إرهابية لأن اتفاقات كامب ديفيد قلصت من سيطرة مصر عليها! بشكل عام لم يتغير شيء. لم يتغير شيء.. أو تغير ولكن لأسوأ مما كان، هو ما سيؤدي في دورة الانتخابات القادمة إلى سقوط الإخوان في حكم مصر وتونس. استعجال الخلاص من الإخوان عبر تثوير الشارع أو التحريض على انقلاب عسكري عليهم، فيه خطر "إعطائهم" صفة الضحية.. والأهم ربما، فيه مخاطر إشعال حروب أهلية تجعل من الأوضاع الحالية على سوئها، نعيماً، تحلم الناس بالعودة إليه، مثلما هو حال سورية والعراق اليوم.