خبر : من «يوتوبيا» الثورة إلى كوكب للعشوائيات ...السيد يسين

الخميس 07 مارس 2013 09:01 ص / بتوقيت القدس +2GMT
من «يوتوبيا» الثورة إلى كوكب للعشوائيات ...السيد يسين



بمرور عامين على 25 يناير هذا الحدث الذي جعل الشعب يقف على منصة التاريخ، انتهت الموجة الطويلة للثورة بكل آمالها ووعودها وإحباطاتها وخيبة أمل الشعب في تحقيق أهدافها، لننتقل إلى زمن الموجات القصيرة المتدفقة للعنف والعنف المتبادل، حيث أصبح الكل في مواجهة الكل، بدون تمييز بين الأنصار والخصوم، حتى انعدمت الفروق بين الجاني والمجني عليه، وغامت الصورة بحيث أصبح من الصعوبة بمكان التمييز بين القاتل والمقتول، أو بين الثائر و«البلطجي»! سحابة شيطانية من العنف الدموي أصبحت تبسط رواقها على المجتمع بعد فترة بالغة القصر لم تزد على ثلاثة أسابيع بعد اندلاع الثورة، حلمنا فيها بتأسيس يوتوبيا (مدينة فاضلة) تسودها أرفع القيم الإنسانية التي سينهض عليها المجتمع بعد الثورة لتحقيق أهدافها السامية، في العيش الكريم والحرية الكاملة والعدالة الاجتماعية.  لقد تابعت على مدى عامين كاملين ابتداء من 25 يناير تحولات الثورة في صعودها وهبوطها من خلال مقالاتي الأسبوعية كل خميس، وأحسست بعد آخر مقالة نشرت بتاريخ 28 فبراير 2013 بعنوان «الغيبوبة السياسية والهستيريا الثورية!» أنني قد انتهيت من تنظيري المباشر لأحداث الثورة وفق منهج النقد الاجتماعي المسؤول، الذي لا يكتفي بالإشارة إلى الأخطاء والسلبيات ولكن يعطيها -أكثر من ذلك- التكييف الصحيح.  وهكذا لم أتردد منذ شهور طويلة في التحذير من الفروق بين الثورة والفوضى، وتحول المظاهرات السلمية إلى دموية، وانتهازية النخبة السياسية وغوغائية الشارع. وقررت أن أجمع هذه المقالات جميعاً في كتاب سيصدر قريباً عنوانه «الشعب يقف فوق منصة التاريخ». وليس ذلك إعلاناً عن توقفي عن متابعة الثورة، ولكنني أحسست بأنني قلت ما عندي في التقييم النقدي لها، وآن الأوان لكي أنتقل إلى التأصيل النظري الضروري لشعارات الثورة «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية»، وهي مهمة لم يتقدم أحد لكي يواجهها، وخصوصاً فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية أهم شعارات الثورة وأصعبها جميعاً في التأصيل النظري والتطبيق الفعلي، في إطار التنمية المستدامة التي لا يمكن أن تتحقق إلا وفق رؤية استراتيجية بصيرة، وهي رؤية غائبة حتى الآن. وذلك على رغم وجود اجتهادات وطنية ممتازة لمؤسسات بحثية، غير أنها بعيدة عن أفكار النخبة والجماهير معاً. ولذلك عرضت لأبرزها في مقالات سابقة، لكي أؤكد أننا -في هذا المجال- لن نبدأ من الصفر. غير أنني وأنا أعد نفسي لهذه المهمة الشاقة -وأعني تأصيل شعارات الثورة- اطلعت على كتاب بالغ الأهمية نشره المركز القومي للترجمة، للكاتب «مايك ديفيز» عنوانه «كوكب العشوائيات»، وقد قام بترجمته مترجم قدير وكاتب نقدي لم أكن قد قرأت له شيئاً من قبل، هو الأستاذ ربيع وهبة. ولم يقنع الأستاذ وهبة بالترجمة الدقيقة لهذا الكتاب النادر الذي يدرس ظاهرة العشوائيات بطريقة مقارنة متعمقة على مستوى العالم، ولكنه كتب مقدمة للكتاب تقع في حوالى خمس وعشرين صفحة، تتضمن تحليلاً نقدياً لأحوال المجتمع المصري قبل وبعد ثورة 25 يناير. ما الذي جعلني أهتم اهتماماً شديداً بمقدمة ربيع وهبة؟ السبب أنني تابعت -كغيرى من الباحثين- تنامي ظاهرة العنف في المجتمع المصري بصورة غير مسبوقة في التاريخ المصري الحديث المعاصر. وخلصت بيني وبين نفسي إلى نتيجة مؤداها أننا انتقلنا من مشكلة العشوائيات كنمط حضري يمثل خطورة بالغة على أمن المواطنين الذين اصطلح على تسميتهم بـ«الهامشيين»، إلى العشوائية كسلوك سياسي واجتماعي. وهذه العشوائية لا يمارسها فقط من نطلق عليهم «البلطجية» بل -وهنا الخطورة- أصبح المواطنون العاديون يمارسونها في أفعال العنف والانتقام التي أصبحت من الظواهر السائدة الآن في مجتمعنا. وقد استطاع ربيع وهبة بتطبيق منهج تاريخي نقدي أن يبرز أسباب ظهور مشكلة العشوائيات واستمرارها والجهود الفاشلة للحكومات المستبدة في احتوائها، ليس عن طريق حلها بصورة جذرية، ولكن من خلال سياسات تهدف إلى الخلاص من الفقراء أنفسهم! وهو يوفق توفيقاً كاملًا في وصف الانقسام الطبقي العمراني بين منتجعات مسوّرة وبين عشوائيات ضائعة، وذلك في ضوء إشارات للظاهرة في عواصم عالمية متعددة. وأريد الآن أن أربط بين ظاهرة العشوائيات وتنامي ما أطلق عليه -على سبيل الاستعارة- ظاهرة العشوائية في المجتمع المصري الآن، كنمط سلوكي وممارسة اجتماعية، تظهر أساساً في أفعال العنف وردود الفعل على أعمال «البلطجة» وقطع الطرق والتخريب من ناحية، والمواجهات الدموية بين الشرطة والمتظاهرين من ناحية أخرى. وقد لفت نظري بشدة في موضوع نشر على الموقع الإلكتروني «بوابة نيوز» موضوعاً بعنوان «البلطجة في عصر النهضة» سرد مخيف لأحداث متعددة، تكشف أن المصريين فقدوا الثقة في القانون فقرروا أن يأخذوا حقوقهم بأيديهم! ويسجل الموضوع في فقرة بعنوان «سجل قانون الغاب في دفتر أحوال المصريين» عدداً من الأحداث الممثلة للظاهرة. في 11 أغسطس بكفر الشيخ اتجه أكثر من 200 شخص من الأهالي صوب منزل أحد «البلطجية» واقتحموه وأشعلوا فيه النار ثم أخرجوا منه «البلطجي»، وانهالوا عليه بالضرب بالآلات الحادة ثم قاموا بقطع يديه وقدمه اليمنى، وطافوا به مدينة دسوق ثم فصلوا رأسه عن جسده، وتركوه أمام مركز الشرطة. وفي بنها في 2 ديسمبر 2011 تخلص أهالي قرية «بقيرة» من أربعة «بلطجية» اعتادوا التعدي على أهل المنطقة وتضامن الأهالي مع الشرطة التي طاردت «البلطجية» ساعات طويلة ونجحوا في الإمساك بهم، وانهالوا عليهم بالشوم والعصي حتى لفظوا أنفاسهم الأخيرة. وفي الشرقية في 11 فبراير 2012 قام أهالي عزبة الثمانين بالقبض على اثنين من «البلطجية» اللذين قتلا شاباً بالرصاص وقاموا بربطهما بأعمدة الإنارة بميدان عرابي بالقرية وشنقهما أمامهم حتى يكونا عبرة! ولو تحولنا إلى أحداث العنف المتبادلة بين الشرطة والمتظاهرين الذين يهاجمون أقسام الشرطة والمنشآت العامة، لوجدنا نقداً غير منصف للتعامل الأمني مع الذين يستعملون الطوب وقنابل «المولوتوف»، وكأن المطلوب هو فتح الطريق أمامهم للتخريب وهدم المنشآت! وهناك العديد من الأحداث المشابهة لهذه المواجهات الفوضوية التي لا علاقة لها بالثورة، مما يجعلنا نتساءل ماذا حدث للشخصية المصرية بعد الثورة، وما هو تفسير هذا السلوك الفوضوي؟ يبدو أنه تماماً مثلما حدث لميدان التحرير الذي كان «إيقونة» عالمية أيام ثورة 25 يناير المجيدة، ونموذجاً رفيعاً لأرقى القيم الإنسانية في الوطنية والمحبة والتسامح، وأصبح الآن مباءة تعد سبة في جبين القاهرة، فإن يوتوبيا الثورة -فيما يبدو -قد ضاعت في أدغال غابة كوكب العشوائيات، حيث أصبح العنف هو لغة الحياة اليومية. يا للحسرة والآسف!