مازالت الثورات تفاجئنا . كل ثورة جديدة تأتي بجديد وتحتفظ لنفسها بنكهة خاصة تميزها عن غيرها . لا ثورتان تطابقتا . البلشفية لها نكهة غير نكهة الفرنسية أو الأمريكية أو الماوية أو الناصرية، أو أي من ثورات الربيع العربي، وها هي “الخمسة نجوم” الإيطالية تأتي لتؤكد أن لكل ثورة نكهتها المتميزة . “الخمسة نجوم” ظاهرة إيطالية بكل معنى الكلمة . ثورة ساخرة ومباشرة، وهي أيضاً محلية بمعنى أنها انبثقت في المدن الصغيرة والمتوسطة، بل أكاد أقول إنها “فردية”، بمعنى أنها انطلقت في البداية منذ ثلاث سنوات مستندة إلى عزم رجل منفرد . وهي حركة رفضت الأنماط السابقة السائدة في احتجاجات إيطاليا . لم تعتمد على دعم حزب قائم أو حركة اجتماعية ولم تمارس العمل الجماهيري، بل لعلها حتى كتابة هذه السطور لم تعقد مؤتمراً واحداً في ميدان أو شارع أو زقاق . اختارت الإنترنت وسيلة التعارف ومكاناً للالتقاء وفرصة للاجتماع . تكونت نواها من أفراد لم يلتقوا ولم يقابل أحدهم الآخر وجهاً لوجه . بدأنا نعرف أنها تتشكل من خليط غير متناسق . أكثر من ثلث أفرادها من النساء، وهذا في حد ذاته تطور لا سابقة له في إيطاليا، أو في أي ثورة أو حركة احتجاجية . متوسط عمر الفرد فيها 32 سنة، وهذا أيضاً لا سابقة له في العمل السياسي أو النقابي في إيطاليا، 80% منهم من طلاب وطالبات الجامعة و15% من العاطلين عن العمل . هذا الخليط الذي لم ينزل إلى الشارع ولم يلتق في مكان واحد ولم يحصل على تمويل من أحد ولم تؤازره صحيفة أو قناة فضائية، استطاع أن يحصل على نحو ربع أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، واستطاع في الوقت نفسه، وربما من دون أن يدري أو يرغب، أن يهز أركان أوروبا المستهينة دائماً بشباب إيطاليا ورجالها ونسائها . أهداف “الخمسة نجوم” قليلة ولكن مباشرة . يأتي في صدارتها إنترنت مجاني لكل مواطن، وقانون يفرض الكشف سنوياً عن الذمة المالية لكل نائب في البرلمان وتخفيض ساعات العمل إلى 30 ساعة أسبوعياً، وتنظيم استفتاء على استمرار أو وقف عضوية إيطاليا في منطقة اليورو . ليست هذه كل الأهداف بعد عشرة أيام من يوم إجراء الانتخابات، فال”خمسة نجوم” كغيرها من حركات الاحتجاج، تتكون لها أهداف إضافية مع استمرار تقدمها وتوسعها . أصبح واضحاً تماماً أن “الخمسة نجوم” تسعى إلى إسقاط النخبة السياسية الإيطالية، إذ يكاد لا يخلو بيان أو تصريح صادر عن بيبي غريللو، الممثل الكوميدي والساخر الذي أطلق شرارة الحركة، من التعبير عن كراهية الجماهير الشديدة لهذه الطبقة السياسية . لذلك لم يكن مفاجئاً أن نرى شباناً يحملون جثماناً وقد كتب عليه “ماتت النخبة السياسية”، أو نرى محتجين آخرين يصرخون في وجوه النواب والوزراء ورجال الاحزاب: “استسلموا . . استسلموا . . عودوا إلى بيوتكم” . جدير بالملاحظة أننا في مصر بدأنا في الآونة الأخيرة نسمع هتافات لا تختلف كثيراً عن هتافات “النجوم الخمسة” . قال عنها المعلقون في إيطاليا وفي دول أوروبية أخرى إن حركة “الخمسة نجوم” تجسد رغبة الإيطاليين في التغيير والثورة على الوضع القائم، ولعلهم يقصدون تحديداً ألمانيا والاتحاد الأوروبي في بروكسل بين جهات تدعم الوضع القائم في إيطالياً وفي غيرها وتقف عائقاً ضد التغيير . قيل أيضاً إنها ربما قامت لتمنع سقوط إيطاليا في هاوية العنف التي سبق أن سقطت فيها في عقدي السبعينات والثمانينات عندما انتشرت الجماعات الإرهابية وراحت تقتل كبار السياسيين وتضع القنابل لتفجير الأماكن العامة وخلخلة الاستقرار، أو لعلها جاءت لتمنع “توحل” إيطاليا في مستنقع الفوضى الذي سقطت فيه مجتمعات عربية نشبت فيها ثورات الربيع، فال”خمسة نجوم” تحمل رسالة التغيير مثلها مثل جماعات الشباب العربي التي خرجت تحتج على حكومات فاسدة ولكنها اختلفت عن الثوار العرب حين اختارت مبكراً وهي ما زالت مكتملة العنفوان والطهارة صندوق الانتخابات مفضلة إياه كخطوة أولى عن الميادين، وبهذا الاختيار اختلفت أيضاً عن احتجاجات اليونان وإسبانيا والبرتغال . هي أيضاً حركة تمرد على الشره والجشع والفساد في المجتمع الإيطالي . أستطيع أن أتصور أن أحد الدوافع التي شجعت بيبي غريللو للخروج بالحركة من موقع الاحتجاج إلى حيز الحل السياسي المباشر كان قرار سيلفيو برلسكوني رئيس الوزراء الأسبق العودة إلى الحلبة السياسية . برلسكوني، بما يجسده لدى قطاع من الإيطاليين من أخلاق ومبادئ وألاعيب وكذب وخداع يعبر أوضح تعبير عن الهدف الذي نشأت لمحاربته والقضاء عليه حركة “الخمسة نجوم” . تكمن خطورة برلسكوني في أنه ينطق بما هو الأسوأ في طباع وسلوك الفئات الانتهازية في الشعب الإيطالي . لا يعترف بالحقيقة ولا يريد أن يراها ولا يريد لأحد أن يذكّره بها . يعتقد، وعندنا في ثقافتنا من يشاركه هذا الاعتقاد، أن كل شيء في هذه الدنيا “فانٍ” وبالتالي يحق للمواطن أن ينهب وبسرعة ليفوز قبل غيره بكل الملذات والمتع والثروات المتاحة . وطبقاً لفلسفة برلسكوني في إدارة شؤون الدولة، فإن الشرفاء، سواء كانوا رجال قضاء أو إدارة أو تعليم أو من عامة الشعب، يعطلون دولاب الإنتاج والعمل ويقفون عثرة في طريق الرخاء، فضلاً عن سماجتهم وثقل ظلهم . صدق من اعترض على تصنيف برلسكوني كظاهرة وفضل اعتباره “مؤسسة” من مؤسسات الحكم في إيطاليا . صدقت أيضاً حركة “النجوم الخمسة” التي جعلت إسقاط برلسكوني وإخراجه نهائياً من ساحة السياسة هدفاً رئيساً . وتخشى أوروبا، وبخاصة دول الشمال بقيادة ألمانيا، أن تنتقل الأزمة الإيطالية بحالتها الراهنة بالعدوى إلى دول أوروبية أخرى تعاني إضرابات واحتجاجات اجتماعية وتتعرض جميعها لحالة من عدم الاستقرار . وتدرك هذه الدول والمفوضية الأوروبية في بروكسل أن ما حدث في إيطاليا وجّه ضربة شديدة إلى الحلول الموضوعة في ألمانيا لحل أزمة منطقة اليورو، وربما وجّه ضربة موجعة أخرى إلى الفكرة الأوروبية ذاتها . يعرف المسؤولون الألمان، قبل غيرهم، أن إيطاليا ستواجه في الشهور المقبلة حقائق مؤلمة . أول حقيقة يصعب إنكارها أو تجاهلها أنها عاشت حياة ناعمة سنوات طويلة استرخت خلالها لتدليل أوروبا والمجتمع الدولي الذي لم يكلفها بأي دور جدي على مستوى القارة أو على مستوى العالم . والمعروف على كافة المستويات الدولية أن إيطاليا، وهي ثالث اقتصاد أوروبي من حيث الضخامة، لم تتحمل مسؤولية دولية كبيرة في أي وقت كالمسؤوليات التي تتحملها بريطانيا وألمانيا وفرنسا، بل والسويد والنرويج على سبيل المثال . عاشت إيطاليا على أمجاد الماضي، أمجاد ثلاثة آلاف سنة حضارة اندثرت وعصور إمبراطورية انقضت وآثار طرق ومعابد وقصور وتماثيل شاهدة على هذا الاندثار وذاك الانقضاء . عاشت في عالم خيالي صنعه الزعيم الفاشي موسوليني قبل عشرات السنين وأعاد إنتاجه برلسكوني ونخبته المالية والإعلامية ليدغدغ به غرائز الجشع والنهب وحملات الغش . عشت في إيطاليا مع بعض أحلام شعبها وبعض خيبات أملهم، وأعرف جيداً معنى أن تموت الحقيقة كل يوم على مذبح الجمال والأناقة وخفة الروح وروعة الفن و”حلاوة الحياة” .