النموذج الذي عرفناه عن تونس على مدى العقود الماضية، مهدّد بالتفكيك على أيدي جماعات لا تؤمن بثقافة الاختلاف، ولا تجد رأياً أصح من رأيها، تتمثل بأولئك الذين يعتبرون أنهم حازوا “وكالة حصرية” للفضيلة في المجتمع، وأخرى للدين الإسلامي، ويحسبون أنفسهم على صواب، وهم غارقون حتى رؤوسهم في ظلام التطرف والتشدد والانسياق الأعمى خلف نموذج لا يمت لدين أو ثقافة إنسانية بأي صلة . لا يكاد يوم يمر على تونس من دون أن نسمع أو نقرأ عن عدوان باسم الدين على معهد أو جامعة أو مقام أو نصب، أو أي مظهر من مظاهر التاريخ والثقافة والعلم والاجتماعيات، يشنه هؤلاء “السلفيون” بالحجارة والسيوف والسكاكين، مستهدفين تونسيين لا ذنب لهم إلا أنهم يخالفونهم الرأي، ويريدون تونس واحة للتعدد والمدنية، لا دكتاتورية مغلفة برداء ديني . ما يزيد الأمور تعقيداً، أن هناك مثلاً من يلجأون إلى هؤلاء المتطرفين لفرض الوقائع بالقوة، فكم تواترت الأنباء عن اعتداءات على جامعات ومعاهد وطلبة، من “سلفيين” لا يمتون للمكان المعتدى عليه بصلة، ويبدو الأمر كأنه محاولة ممن في “الداخل” لاستيراد نموذج الإرهاب الفكري من “الخارج”، في ما يمكن اعتباره محاولة لتكميم الأفواه وتحجيم دور مؤسسات التعليم العالي، في تخريج جيل منفتح وواعٍ، يؤمن بالاختلاف الصحي وينبذ العنف . إنها ليست دعوة بريئة إلى “مجتمع فاضل”، بل هي تصفية فكرية للمعارضين، وضرب من الإرهاب المجتمعي، الأمر الذي لا يقرّه دين ولا ترضى به شريعة سماوية، إنها المعركة الحقيقية لتثبيت وجه الدولة التونسية، التي يتحلى شعبها بالقدرة على التعاطي مع التطورات بمسؤولية وعقل منفتح، وبالحوار المتحضر، لا العنف المنفلت من كل عقال . قد يقول قائل إن ما يحدث نتيجة طبيعية لثورة شعبية ركب موجتها تيار الإسلام السياسي، لكن الأمر فيه ما هو أكثر من ذلك، كون التيار المذكور لا يحرك على الأغلب هذه المجموعات، بقدر ما هو صامت عن سلوكاتها بدرجة من التواطؤ الضمني، وقبول أن يدخل المجتمع ككل صراعات فكرية وسياسية ودينية أيضاً، مقابل البقاء في كرسي الحكم، وإن كلف ذلك البلاد والعباد أثماناً باهظة ودامية . الحكومة التونسية مسؤولية بالدرجة الأولى عن هذا الفلتان، والإسلاميون في تونس يتحملون القدر ذاته من المسؤولية، كونهم لم يلتفتوا إلى الأمر، ولم يشجبوه على أقل تقدير، وكونهم أيضاً عاجزين عن التوصل إلى صيغ توافقية مع مخالفيهم في الرأي، ولأنهم كذلك، فإن المسؤولية كلها تقع عليهم، وهم الملومون بالدرجة الأولى عن قتامة الصورة التي وصلت إليها الأوضاع . من يملك الحق في مصادرة حريات الناس وحقوقهم، أكبر بكثير من حزب أو نظام أو دولة، ومن يملك الحق في التغيير ليسوا هؤلاء بالتأكيد، لأن التجربة أثبتت أنهم نتيجة جانبية للتغيير، لا فاعلين ولا عوامل فيه، ولأن التجربة الحالية المتمثلة في عجزهم عن الحوار من باب القناعة الراسخة برفضه، تثبت أنهم مؤيدون “من تحت الطاولة” لمثل هذا السلوك الدخيل على المجتمع التونسي المتسامح .