خبر : من الصعب اندلاع انتفاضة دون غزة ومع الانقسام ..بقلم : أكرم عطا الله

الأحد 03 مارس 2013 10:20 ص / بتوقيت القدس +2GMT
من الصعب اندلاع انتفاضة دون غزة ومع الانقسام ..بقلم : أكرم عطا الله



في أحد اجتماعات مجلس الوزراء المصري قبل حرب أكتوبر وبينما كانت مصر تتجه نحو أزمة اقتصادية سأل الرئيس المصري الراحل أنور السادات وزير ماليته حول احتياطي العملة الصعبة فأجاب وزير المالية: لدينا 15 مليون جنيه فقط، تأمل السادات قليلاً ثم التقط غليونه، وأثناء عملية إشعاله قال "نولع بقى" وسط استغراب الحضور سأله أحدهم "تقصد نولع البايب (الغليون) واللاحاجة ثانية؟" رد السادات: لا نولع المنطقة، والكل يأتي للإطفاء. في السياسة حين يستعصي تطويع الواقع أحياناً يفتعلون الأزمات لإرغام العالم على التدخل، هكذا فعلها السادات واستعاد سيناء، ياسر عرفات كان يعرف عنه أنه رجل افتعال الأزمة ودفعها نحو حافة الهاوية، كان يفعلها كثيراً، والآن أمام هذا الاختناق السياسي وأزمة الأسرى والاستيطان والقدس هناك حاجة لحركة شعبية مكثفة تنذر بإشعال المنطقة في وجه الرئيس الأميركي الذي سيكون هنا هذا الشهر، فجزء من تجاهل الملف الفلسطيني في خطاب تنصيبه هو غياب الأزمة، وجزء من تجاهل الدعاية الانتخابية في انتخابات إسرائيل الأخيرة هو أيضا غياب الأزمة، فلتكن أزمة تهدد الجميع....ولكنها لن تكون. الأسبوع الماضي كان مهيئاً لاندلاع انتفاضة، فقد هددت الفصائل الفلسطينية في حال استشهاد أي أسير أنها ستحرق الأخضر واليابس، وللدقة كان التهديد من غزة التي تقف متفرجة حتى اللحظة على ما يحدث في الضفة. وعلى غير توقع الفصائل استشهد الأسير جرادات، تنبأ البعض بانتفاضة والبعض الآخر حلم بها وغيرهم لم يكن لديهم رغبة بها، وسط هذه التمنيات والدوافع والممانعات بقي مستوى الأحداث أقل مما يريده البعض وأكثر مما يريده آخرون. منذ أسابيع بدأت القيادات الإسرائيلية سواء عسكرية أو مدنية بالتحذير من انتفاضة ثالثة كانت ترى أنها على الأبواب وتجهز نفسها للمواجهة سواء العسكرية أو السياسية آخرهم بنيامين بن اليعازر العجوز الذي ترأس الكنيست الجديدة بحكم سنه، وكان هناك ما يجعل من اندلاعها واقعا، فالظروف باتت مهيأة والاختناق السياسي بلغ ذروته والاستيطان ابتلع الضفة، وأتى إضراب الأسرى ليضع برميل البارود على حافة الاشتعال، وكانت الأمور بانتظار عود الثقاب الذي اعتقد الجميع أن استشهاد جرادات من أشعله، ولكن الأمور لم تكن كذلك ولا يبدو أنها ستذهب أبعد من مواجهات بعيدة عن الفصائل حاملة المشروع الوطني، وكان السؤال: لماذا لم تبدأ انتفاضة؟؟ ولماذا لم يبدأ الربيع الفلسطيني بعد؟ رغم أن هناك مصلحةً وطنية وحاجة بعد أن أعطى نموذج السلوك الإسرائيلي مرتين خلال نصف العام الأخير ما يمكن أن يدل الفلسطينيين على ممكنات قوتهم.مرة حين خرج الناس للاحتجاج في الشوارع في أيلول الماضي للتظاهر بسبب الأزمة الاقتصادية تراجعت إسرائيل مذعورة عن حجز أموال الضرائب وأفرجت عنها، ومرة أخرى الأسبوع الماضي حين ظهرت في الأفق ملامح انتفاضة تراجعت أيضا لتفرج عن الأموال، وبذلك تقول إسرائيل أنها ضعيفة أمام حركة شعب إذا أراد أن يخرج منتفضاً، والمسألة أصعب حين تسبق زيارة أوباما وترغمه على أن يرى حقيقة الاحتلال وممارساته وتلقي بالملف الملتهب في وجهه، وتخشى إسرائيل أن تدفع ثمن ذلك سياسياً واستيطانياً، وهنا تبدو المقارنة مع إشعال السادات لـ "البايب".ولكن الانتفاضة لم تبدأ ويبدو أنها لن تبدأ لعدة أسباب، أولها وأهمها الانقسام وغياب الإجماع الوطني وكذلك غياب الإجماع الجغرافي، فالانتفاضة بحاجة إلى طاقات وفعل وتحرك الجميع تحت برنامج موحد، وهذا غائب بسبب الصراعات بين الفلسطينيين والتي استنفذت كثيرا من جهدهم ووقتهم على حساب الصراع الرئيسي، فهناك خشية لدى السلطة من تكرار تجربة الانتفاضة الأولى والتي أدت إلى تآكل السلطة في غزة انتهت بخسارتها، وحركة حماس تريد انتفاضة في الضفة لإضعاف السلطة وتحلم بانهيارها، إذن هناك حالة من التربص والتربص المضاد، وفي ظل هذه الأجواء ورغبة البعض بانتفاضة "استخدامية" لاستكمال صراع داخلي على السلطة لم يُحسم بعد، فهذا يجعل من البعد الذاتي ليس على قدر من النضوج لبدء الانتفاضة ضد المحتل، فالانتفاضتان الأولى والثانية بدأتا وسط إجماع.البعد الآخر هو التركيز على الضفة دون غزة فالنداءات التي أطلقتها حركة حماس بتحريض جزء من الشعب الفلسطيني في الضفة دون غزة يجعل من اندلاعها أمراً مستبعداً، وبالعودة للتاريخ فإن غزة عنصر محرك كبير للوطنية الفلسطينية، وبحكم انعدام خياراتها فإنها تتقدم في أغلب الأحيان قبل الضفة، فكل الفصائل الوطنية تقريبا انطلقت للمقاومة من غزة ثم تبعتها الضفة، فقيادة "فتح" الأولى من غزة و"حماس" أيضا و"الجهاد الإسلامي" تشكل مثل "حماس" في غزة، وفدائيو مصطفى حافظ وحرب التحرير الشعبية في سبعينات القرن الماضي والانتفاضة الأولى بدأت في غزة ثم تبعتها الضفة، وانتفاضة النفق بدأت في غزة، وإلى حد ما صحيح أن الانتفاضة الثانية انطلقت من القدس لكن الصورة الأولى للشهيد الطفل محمد الدرة وفعل غزة المسلح منذ اليوم الأول التقط راية الانتفاضة لتستمر.وهكذا فإن الرغبة التي أعلن عنها الدكتور أحمد بحر بانتفاضة في الضفة دون غزة التي لا ترغب سلطتها بأي حراك أو صدام مع إسرائيل هي مسألة منفصلة عن واقع تاريخ الصراع، وأن رد فعل الحكومة بغزة على الصاروخ الذي انطلق ليعبر عن مشاركة غزة للفعل الشعبي على استشهاد الأسير يعكس رؤية الحكومة التي ترغب بالاستقرار بلا انتفاضات في هذه المنطقة الصغيرة.وإذا كانت "حماس" لا تريد انتفاضة في غزة، والسلطة هناك لا تريد انتفاضة في الضفة، فهل يمكن الحديث عن انتفاضة كل لا يريدها في ساحته؟؟ ولأن لكلٍ ما يخسره في الضفة وغزة، فكلٌ سيحافظ على الهدوء مقابل السلطة. هذا هو الواقع بمعزل عن رغبة الفصائل الأخرى والتي لا تمكنها قوتها من التأثير في الواقع أمام قدرة السلطتين، فـ "فتح" و"حماس" هما العمود الفقري للحركة الوطنية ولكل منهما سلطته وكل منهما يرفض انتفاضة في منطقته، فلنا أن نقدر قوة دفع الانتفاضة وقوة ممانعتها لنصل لاستنتاجاتنا ....! Atallah.akram@hotmail.com