هذه هي أسماؤهم الجديدة في كل مرة، زمن العقب الحديدية أو"الفولاذ سقيناه" خاصية زمن حقبة البطولة المديدة، الحقبة البطولية التي لا تنتهي، تطفو على سطح نهرنا كالأخشاب العائمة، خشبة وراء خشبة، تحمل أسماءهم والنهر لا يتوقف عن الجري. يرمز النهر إلى الثورة لكن البحر والبحر فقط العميق والواسع إنما هو الذي يتشبه به الشعب. هكذا يصف عرفات الانتفاضة الأولى، كموج البحر، موجة وراء موجة، كانما الشعب محالا الى البحر هو القوة اللامتناهية، الخافية الأعظم، أو الأنا الأعلى التي تتماهى مع الشمس ذات اللون الذهبي، باعتبارها ترمز إلى التفوق أو البطولة المطلقة . وهكذا هو الشعب، القوة التي لا يمكن قهرها، كما لا يمكن إفساد وعيه، باعتباره البحر الذي لا ينضب. "إنا هنا باقون فلتشربوا البحر". فلنحي روح الشاعر توفيق زياد. الأسماء هي الأسماء نختلف في حروفها وتراكيبها ومعانيها، لكنها تظل واحدة وتشترك معا في كونها هي الأسماء نفسها في كل مرحلة او عند كل منعطف ثوري، التي تمنح الأحداث بطاقاتها. بطاقات التاريخ التي تمنح الأحداث عناوينها، تسلسلها كما تصنيفها، ولكيما تبقى البطاقات التي تحمل الأسماء بمثابة الشواهد. لوحة الشاهد العظيمة التي يسجد التاريخ أمام محرابها على بوابة النصر القادم. هكذا حين يحين اوان هذا النصر. قيامتنا كقيامة المسيح ابن هذه البلاد بعد صلبه. وحيث لا يختلفون في حكاياتهم عن قصص المآسي البطولية السالفة لأمم وشعوب اخرى في عصور غابرة، حيث البطولة كانت دوما صنو المأساة، والكفاح من اجل الخلاص. هنا على هذه اللوحة سوف نسجل منذ العام 1920 أول انتفاضة فلسطينية، سلسلة متصلة من الانتفاضات والثورات المتعاقبة. كانت كل انتفاضة او موجة منها تسجل بطافتها الخاصة التي نظهر عليها أسماؤهم. الأسماء التي تغنينا بها وخلدتها الأشعار الشعبية. فكيف أمكن لنا ان نستمر كل هذا الوقت، الزمن على هذا الحبل المشدود كحبل من مسد؟ ام ان هذا التطاول في الزمن لم يكن في الواقع سوى التعبير القاسي عن فشلنا؟ حينما يبدو هذا التطاول ابعد ما يكون من التراكم الذي يؤدي وفق قانون كارل ماركس عن الديالكتيك، لا يؤدي الى أحداث التغيير النوعي اي النصر الناجز الأخير. وها نحن اليوم لا نتردد في الحديث عن انتفاضة أخرى، "الانتفاضة الثالثة" . وان كنا نظهر هذه المرة في نقاشنا قدرا من الحذر التحليلي العقلي الأقرب الى مدرسة التحليل الأكاديمي، وليس الروح التبشيرية الثورية. هيا نحاول ان نجيب على هذا السؤال. والواقع اننا استطعنا الاستمرار ولم نتوقف، لانه لم يكن أمامنا من خيار آخر، ولان الطاقة الروحية للشعب كانت قادرة في كل مرة على صيانة وتجديد نفسها، وكان الشعب هنا في هذه القصة هو البطل الحقيقي الذي يتفوق ويسبق قيادته كما لاحظ ادوارد سعيد ووافقه على ذلك في الانتفاضة الاولى ياسر عرفات. وكانت هذه الطاقة المتولدة، التي تعيد إنتاج نفسها على مراحل مدهشة في تعاقب دورتها الزمنية، كأزمة الرأسمالية، انما تستجيب في دوافعها الحقيقية والخفية للقانون المحرك للتاريخ الذي تحدث عنه المؤرخ الشهير تونبي، الذي بنى تفسيره لفكرة التقدم في التاريخ، على قاعدة التحدي والاستجابة لهذا التحدي. وان التحدي الرئيسي كان هنا في الخافية العظيمة للشعب تحاشي الفشل بالضبط. الفشل الذي يعادل الاستسلام او اننا انهزمنا. لم نقر على مدى مئة علم من الصراع بفشلنا او هزيمتنا. وان لم يكن ممكنا الإقرار بنجاحنا او انتصارنا الحازم. وعلى هذه المسافة الرقيقة من التوازن القلق كحركة البندول ظل الوعي الفلسطيني يتجاذبه هذا التوتر، كذلك الخفقان والتوتر الذي يرافق العمل الحربي او الحرب، الحرب باعتبارها المعلم الكبير والتي وحدها من يعيد اختزال وتكثيف هذا التوتر في تصعيد الأزمة بين الزمن والسياسة، على هذا القدر من التكثيف في العقل او الوعي. هي المراوحة في هذه الحرب اذن، التي لم تضع أوزارها بعد، حرب لم تقل الكلمة الأخيرة او النهائية فيها، حرب لم يقر فيها المهزوم المفترض بهزيمته، ولا يملك النصر المفترض اليقين بانتصاره. وحده اذن الصراع ينفتح على عامل الزمن، باعتباره العامل الحاسم في تقرير النتيجة. وعليه فان السؤال يختصر، بمن يملك من الطرفين، معادلة العلاقة بين السياسة والزمن؟ وهنا لمجرد ان التطرق لإمكانية حدوث الانتفاضة التالية التي تبدو كما لو أنها تدق على الأبواب، فربما نكون بازاء الفرصة الأخيرة لان تسبق هذه الدقة التي بات سماع صوتها كصرخة حادة في الأصداء. هيا اذن حساب الزمن السياسة مرة أخرى. قال عرفات في أيامه الأخيرة وظل يردد هذا القول :"نحن وإياهم والزمن طويل" وكأن القائد أدرك في وقفته الأخيرة قبل موته، ان اليقين بالنصر هو مسألة الزمن، وان التقدم في الزمن هو التقدم في الجغرافيا وفي ميدان الحسم، اي حسم هذه الحرب بالاخير على محور الزمن. الحرب بوصفها ايضا تكثيف الزمن، كما السياسة. هذا صراع اذن يتقلب في دوراته كما في تعاقب أسمائه، كما الفصول الأربعة، من السلم الى الحرب وبالعكس. من الكفاح المسلح الى الكفاح السلمي وبالعكس. المقاومة اللاعنفية والمقاومة العنفية جنبا الى جنب. من البطولة الجماعية الى البطولة الفردية. ويمتزج فيه الحجر بالصاروخ وبينهما طاولة المفاوضات، القوة الناعمة الى جانب القوة الصلبة. والأسماء حاضرة اليوم كما كانت حاضرة دوما في الأمس وقبل الأمس. سامر العيساوي وايمن الشراونة وطارق قعدان ومنى قعدان وجعفر عز الدين وعائلة جرادات كما عائلة عبيات بالأمس. كما اليوم نايف حواتمة جريحا في دمشق وذكراهم التي تمر اليوم، احمد الشقيري وعبد الفتاح حمودة. لهم سلام مع تفتح زهر اللوز الذي يحمل تباشير الربيع كما في الأول من آذار من كل وقت. تباشير ربيعك يا فلسطين من كل عام.